أشياء فلسفية: كتبتُ .. كتبتُ.. فمن يقرأ ؟

سأنطلق من نص نظري هو نص لليو شتروس، الفيلسوف الأمريكي الذي عاش بين 1899 و1973، والذي كان له دور كبير

في الكشف عن جوانب هامة وخفية من فلسفات القرون الوسطى العربية واليهودية. اهتم خاصة بالفارابي وابن رشد وابن ميمون. لكن النص الذي سأتناوله هو نصّ نظريّ عرض فيه تصوّره للعلاقة بين الفلسفة والسّلطة قديما وحديثا. النص الذي أقصد هو كتاب: الاضطهاد وفنّ الكتابة، وتحديدا الفصل الذي يحمل هذا العنوان وهو الفصل الثاني من الكتاب المذكور.
هذا النص هو نص في تأويليات المدونات التي كتبت تحت الاضطهاد. ولكنه من جهة أخرى يتحول إلى نص في فنيات الكتابة التي تداور الاضطهاد. وهذه الفنيات هي التي يسميها ليو شتروس «الكتابة بين السطور». مما ينتج عنه ان الاضطهاد لا يستطيع أن يمنع «التفكير الحر»، بل أنه لا يستطيع حتى أن يمنع «التعبير» عن التفكير الحر. ولا يتعلق الأمر بمجرد الإفضاء إلى من نثق بهم بأفكارنا الحرة، بل هو يتعلق كذلك وخاصة بالتّعبير عنها تعبيرا عموميا : يقول ليو شتروس : «بل إنّ الاضطهاد لا يستطيع حتى أن يمنع التعبير العمومي عن الحقيقة المخالفة، ذلك أن الإنسان الذي يفكر تفكيرا مستقلا يمكنه أن يعبر بشكل علني عن أفكاره من دون أن يخشى أي ضرر، بشرط أن يتصرف بحذر. يمكنه حتى أن يطبعها وينشرها دون أن يكون عرضة لأي خطر، بشرط أن تكون له القدرة على الكتابة بين السطور».
ويقول ليو شتروس في واحد من أفصح نصوصه عن هذا الغرض ما يلي :
«يطلِق الاضطهاد إذاً تقنية فريدة في الكتابة وبالتالي نمطا فريدا من الأدب لا تقدَّم ضمنه الحقيقةُ حول كلّ المسائل الحاسمة إلاّ بين السّطور، وبين السّطور فقط. ولا يخاطِب هذا الأدبُ كلّ القراء، وإنما الأمناء منهم والفطنين دون سواهم. فله كلُّ مزايا التّواصل الخاصّ، من دون أن يكون فيه عيبه الأكبر - أنّه يقتصر على من يعرفهم الكاتب من القريبين إليه. وله كل مزايا التواصل العمومي من دون أن يكون فيه عيبه الأكبر: عقوبةُ الإعدام للكاتب. ولكنّ كيف يمكن لإنسان أن يأتي بهذه المعجزة فينشر كتابا يخاطب به أقلية من قرائه دون أن يصل من ذلك شيء إلى أغلبيتهم. إنّ الشيء الذي يجعل هذا الأدب ممكنا، يقبل أن يُصاغ في المسلّمة القائلة بأن عديمي التفكير هم قراء غير منتبهين، وأنّ ذوي الحجا وحدهم قرّاء فطنون. ولذلك فإنّ كاتبا يريد مخاطبة ذوي الحجا دون غيرهم، إنما يتعيّن عليه أن يكتب بحيث لا يستطيع فكّ أوصاد كتابه إلا قارئ شديد الفطنة ... «.
هكذا تتعين الكتابة بين السطور على أنها فن الكتابة في زمن الاضطهاد: إنها في عبارة ليو شتروس، عبارة مجازية تشير إلى تقنية خاصة في الكتابة. وهاهنا في رأيي تكمن أهمية هذه المقاربة . لأن الكتابة لا تقوم فقط على عنصري الكاتب أو المثقف أو الفيلسوف، من جهة ، والسلطان، أو الحزب، أو الحاكم، من جهة ثانية. ثمة عنصر ثالث هو المقصود بالكتابة بين السطور : وهو القارئ. إننا نميل في العادة إلى حصر علاقة الكتابة بالسلطان، ونفترض أن القارئ غير معني بهذه الكتابة، أو أنه لا ينتبه إليها، أو أنّ السلطان هو القارئ الأمثل . ولكن هذه الكتابة، «لئن كانت لا تخاطب كل القراء فإنها تخاطب بعضهم، أعني الأذكياء منهم، أولئك الذي يدركون النقاط التي تدق عن الملاحظة المكرورة التي أعماها الاعتياد. هذه الكتابة هي كتابة خاصة ولكنها لا تقال ولا تكشف في حلقات خاصة، وهي علنية دون أن تكون نتيجتها إعدام صاحبها.إنها تحقق هذا الإنجاز النادر : أن تظل صامتة للعموم، أو لأغلبية العموم، ناطقة لقلة من القراء فقط.
فالقارئ صنفان : صنف تكونه أغلبية من الناس ممن لا يعرضون على أنفسهم تفكريا ما يقرؤون، وصنف يتابعون الكتابة في دقائقها، ولا تستميلهم النصوص إلا عندما تصبح بعد قراءتها وإعادة قراءتها عسيرة على الفهم. أولئك هم المعنيون.
إنه لوضع صعب حقا أن يعمد الفيلسوف إلى أن يستودع حدوسه الحقيقية، وقصوده الأصلانية، ضمن نوع من القارورة المغلقة، المحكمة الغلق، التي يلقي بها في المحيط لعل أحدا يتلقفها يوما ويقرأ ما فيها . أعرف أن هذا المثال صعب وربما بدا طوباويا للكثيرين منا. ولكنه يعني خاصة أن يكون ثمة قراء .. حقيقيون. ولكن إحكام غلق القارورة ليس دائما مداورة من الفيلسوف للسلطان: فمن طبيعة الكتابة أنها في أغلب الأحيان لا تخاطب إلا المعاصرين، حين لا يتلقّفها إلا المشاركون في الوقت.
للكاتب أن يكتب ويكتب. ولكن عليه أن يعرف أن قارئه ليس دائما أول قارئ يمرّ. لذلك فإن الإجابة عن سؤالي: «من يقرأ» لا تعيّن دائما قارئا حقيقيا. بل هو في الأغلب قارئ «أمثل»، يفترضه الكاتب افتراضا، وله يَكتب. ولعل في هذا جوابا عن لهفة الذين يريدون أن يُقرؤوا بسرعة وأن يُعترف بهم في الحين: فالذين نكتب لهم هم معاصرونا، وهؤلاء ليسوا بالضرورة من أبناء وقتنا. ربما من أجل ذلك قال نيتشه في العلم المرح إن ما يعلن عنه أمر لن يسمع (لن يقرأ، لن يعاصَر) إلا بعد قرون: «لا بد من وقت للصواعق والرّعود، لا بد من وقت لضوء الكواكب، لا بد من وقت للأفعال من بعد حدوثها، حتى تُرى وتُسمع».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا