أشياء فلسفية: ما تكون هذه – الفلسفة ؟

Was ist das – die Philosophie ? : تلك هي الصيغة التي طرح بها الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر سؤاله عما تكون الفلسفة.

وهو في ذلك، على ما يقول، يتّبع تقليدا اغريقيا قديما، لم يكن يسأل مثلما نسأل، وإنما كان، بشكل ما، يشير إلى المسؤول عنه بضرب من الابتداء من عدم التعرف إليه ، كأنما يعترض السائل ملمحٌ أو طيف لا يكاد يتبيّنه، فيسأل عنه على أنه «ذاك الشيء». ما هذا الشيء إذن، الذي بات يعترضنا في كل روغة من روغات شوارع أثينا، حلقة حول شخص سقراط، أو قطعة من الظلام تتهادي في حلوكة الليل والناس نيام، أو حديثا يتناقله الناس عن هذه الأعجوبة التي يقال إنها صارت حديث الشوارع، أو قلقا يشتكي منه الأثينيون إلى قضاتهم ؟ ما يكون هذا الشيء الذي يقولون عنه إنه فلسفة؟ ما يكون ذاك – الفلسفة؟
والسؤال، إذا ما حللناه كخطاب، مقسوم على قصديتين لا تصدران عن متلفظ واحد: «مايكون ذاك» سؤال يصدر عني، أنا المبادر بالكلام؛ وأما تسمية هذا الذي هو ذاك، والذي هو الفلسفة، فلا تصدر عني: إنها «تسمية» أستلفها، أستعيرها على جهة السلفة الموقوتة، من هؤلاء الذين يستعملونها، كأنما أتنازل لهم فأسميها بما يسمونها به: ما تكون هذه – (التي سأسلم لكم بأنها كما تقولون) الفلسفة؟. ليست «الفلسفة» من خطاب السائل إذن. بل السائل يقف خطابُه عند تعيين «قطعة الظلام» التي لا يعرفها والتي قد تكون أيّ شيء (مجرد إشارة : «هذه»).
فإن أنا طرحت اليوم سؤال الاغريق الذي حاول الألمان محاكاته، من خلال صيغة: Was ist das – die Philosophie ? ، فلأن قطعة الظلام قد انتشرت في كل مكان حتى أصبحت ظاهرة عالمية، مادمنا اليوم نحتفل بها في يوم عالمي للفلسفة.
نريد تعريف الفلسفة إذن: فتعترضنا أحكامٌ مسبّقة كثيرة عنها. لن نتسير على هذه الطريق التي لا نكاد نطيح فيها بالحكم المسبق الواحد حتى تقوم في وجهنا أحكام أخرى. سنحاول على العكس من ذلك أن نجيب عن سؤالنا فنعرّف الفلسفة من خلال الكثرة التي تعدُّ أنساقها، لعلّنا نظفر في النهاية بصيغة تنطبق عليها جميعا. ولكن ما عسى أن تكون صيغة تجمع بين فلاسفة يحدّد كلُّ واحد منهم مفاهيمَه تحديدا ينفصل به عن غيره؟ لا شك أن تدقيق المعرفة «التاريخية» بالفلسفات يعطينا تعريفا لها نجيب به عن سؤالنا، ولكنه تعريف يوغل في الاستجابة لمقتضيات الصّحة «على جميع الوجوه» والانطباق على «جميع الحالات»، حتى لا يبقى من الفلسفة إلا صيغة فارغة، مجردُّ امتداد كامتداد قطعة الشمع الديكارتية التي تُجرّد من كل أشيائها، لونِها، وشكلِها، وطعمِها ورائحتِها، وليونتِها أو صلابتِها.. هل تكون الفلسفة هذه الصيغة الفارغة المجردة؟ ألا ينبغي أن نتجه لا صوب صيغ الفلسفة وإنما صوب أشيائها: ما تكون الفلسفة خارج أفعالها ؟ أليست الفلسفة عوضا من كل ذلك إيماءات الفكر إذا يستشكل، فيجمع بين العناصر، فلا تستقر إلا أن يقيم لها صعيدا تضمُر فوقه نتوءاتُها وتتواءم. أليست هي استعارةً كبرى للمفاهيم من حقول بعيدة لاستنباتها على تربة أخرى؟ هل تكون الفلسفة هي هذه «الترجمة» التي شُغلها الشاغل تبْيئة الوافد، والتوطئة للغريب، واستضافة البراني، وإقامة الصحبة مع المنبوذ؟ ما يكون البراني الذي تبدأ به الفلسفة إذن؟ أليس هو الحاملَ الحقيقي للحركة والإيماءة؟ كيف يمكن للفلسفة أن تستشكل، أي أن تفكر، إذا لم يكن البراني شيئا من أشيائها، وإذا لم يكن الاستشكال صياغةً «للمَحيث»، أي لسطح المحايثة (في المعنى الصرفي للاشتراك في الحيثية: plan d’immanence) الذي يتم عليه استنبات هذا الجديد الذي نسميه عنصرَ الفلسفة. ما تكون هذه – الفلسفةُ، إذن؟ إنها إيماءة الاستشكال: الاستنبات اليومي للجديد. إن الوافد علينا هو دائما أليف سرب شارد عن سربه. والأمرُ كلُّه في معرفة آداب استضافته وتحديد شروطها. فقد يكون من آداب الاستضافة أن ينفق الكريمُ ما عنده، كلَّ ما عنده، تماما كما ذبح الطائي الفرس لرسول الملك، وتماما كما كسر البراني عصا الجماعة التي كان أليفها في إيليا حتى ينبُت من جديد في تربة أثينا، تربة الفلسفة.
ليست الفلسفة شيئا آخر غير تلك الهشاشة التي يكفيها أن تشمّ رائحة الأرض حتى تعتو من جديد. دولوز قال: «جذمور» (Rhizome): أتراه كان يقصد هشاشته أم عُتيه واشتداده ما أن يلامس الأرض ؟
في اليوم العالمي للفلسفة: تحيا الفلسفة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا