الرقاب المتهرئة! من الجر نحو الجنة بالسلاسل

قيس سعيد يريد عملية تصحيحية شاملة. فلتكن! حسب رأيه كل ما حصل منذ 11 جانفي مغلوط مائة بالمائة. لكن عن ماذا يرتكز حكم قيس سعيد حتى يصل إلى هذا الاستنتاج؟

وكيف بإمكانه أن يستنتج وحده في خصوص عملية، بكل ما فيها من حسنات وسيئات، كانت صنعا تونسيا بجميع المكونات الاجتماعية والسياسية وكل المرجعيات الثقافية والعقائدية وكل التداخلات الداخلية والخارجية؟ كيف لقيس سيعد أن يقيم وحده ثورة أو سمها ما شئت أطاحت بمنظومة حكمت تونس بدون انقطاع 55 سنة وهي مدة قياسية دوليا؟ يقول قيس سعيد أن ثورة الجياع وقع تحويل وجهتها من جانب أطراف وأحزاب وضعت دستورا وأقامت مؤسسات واحتلت مواقع سلطة كان هدفها الأول والأخير امتصاص دماء الشعب. يعني أن قيس سعيد يلخص مجمل المجتمع التونسي ونخبه المتعددة والمتنوعة، والتي من بينها من قاوم الاستبداد والفساد طوال عقود عندما كان قيس سعيد لا يتجاوز أفقه الفكري والسياسي كافيتيريا كلية الحقوق، يلخصه في كون الجميع بدون أي استثناء مصاصي دماء، وهو وحده الملهم والمنقذ! إن ما غاب بشكل طبيعي عن مثل هذا النوع من التفكير التبسيطي أنه مهما كان حضور وقوة ووزن النوايا الصادقة، فإنها معرضة للفعل المضاد لقوى لا تحصى ولا تعد، قادرة على الالتواء والالتفاف على كل شيء، بما فيه بالتظاهر بالنقاوة والوطنية والإخلاص للشعب، بينما في الممارسة هي مافيات جديدة - قديمة ظاهرها طهر وباطنها فساد. إذن فالفكر التبسيطي لا يعتبر أن الوصول إلى العدل عملية شاقة جدا وإنما يفسرها بالتقاعس أو حتى التواطؤ مع الفساد من طرف الجميع دون أي استثناء.

وهكذا يصل هذا النوع من التفكير إلى نفي الثقة والصدق على أي كان غير القائد الملهم الفذ الذي يطالب بترك المجال له وحده مفتوحا بالكامل وبدون أي شروط ليقوم بعملية «التطهير». وذلك غاية في السذاجة والعقم الفكري والسياسي، لأن ما يفوت قيس سعيد ولا يخطر له حتى على بال يتمثل في أن المنظومة الاقتصادية - الاجتماعية التونسية منظومة ليبيرالية وكذلك الأمر لمجمل العالم الذي تتعامل معه، بما فيه الصين الشعبية الشيوعية، أي أن في مثل هذه المنظومات فإن ما يسميه الفساد مرتبط عضويا بالخيار الليبيرالي، لأن المنافسة والربح والبقاء للأقوى بجميع الوسائل هو القاعدة، وبالتالي فإن المعادلة التي تضمن الحد الأدنى من الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تتمثل في المراقبة والمتابعة والمحاسبة الجماعية، المرتبطة بدورها أولا بدواليب الدولة ومؤسساتها وقوانينها، وثانيا بالديمقراطية كعامل مجتمعي يمكن من التدخل على أساس موازين قوى في مقدورها إذا توفر لها ذلك أن تردع المحتكرين والغشاشين والمفسدين والمتجاوزين للقوانين وتحمي الناس من الجشع والاستكراش. وللوصول إلى غاية المراقبة والمتابعة والضغط والمحاولة اليومية للتغيير نحو الأفضل، فإن البشرية لم تجد أي وسيلة أخرى غير التدخل المنظم صلب الأطر المتعددة والمتنوعة، الجمعياتية والاجتماعية والسياسية والاعلامية، المتكاملة والمتداخلة، لكن أيضا الخلافية والمتناقضة، حسب المصالح.

وإلى حد هذه الساعة لا توجد أي طريقة أخرى لتنظيم العيش المشترك. أن تتعثر مثل هذا الطرق في بلدان عريقة في الديمقراطية فهذا يومي، فما بالك في بلد مثل تونس، يعيش تجربة وحيدة من نوعها في محيطه، ليصبح هذا الأمر بالنسبة إليه وارد جدا، وهي النتيجة التي وصلنا إليها قبل 25 جويلية 2021. لكن أن يعني ذلك إلغاء الأحزاب والديمقراطية والفكرة البرلمانية، بغاية أن كل ذلك هلاك في هلاك، فهذا هو الباب المفتوح على الطغيان والاستفراد بالقرار تحت كل الذرائع والمبررات والمسميات. صحيح أن الأحزاب الخاوية والإعلام مدفوع الأجر والمصالح الضيقة والفئوية والفساد وتخريب الدولة، أمراض متفشية إلى أقصى الحدود. والدعوة إلى إعادة النظر في مجمل مسار ما بعد 2011 دعوة شرعية، تلاقي تأييدا شعبيا ونخبويا واسعا. لكن كيف يكون؟ ذلك هو السؤال. كل شيء ممكن لو يقبل سعيد بأنه ليس وحده المحب للخير لتونس، بل سبقه ويلحقه في ذلك أجيال، ممن استبسلوا وضحوا ولا يزالوا من أجل إعلاء كلمة الحق والعدل. وليعلم قيس سعيد أن هؤلاء لن يسلموا له بأن يمسحهم كما إما يتصور هو أو من آلوا على أنفسهم أن يغرروا به على طريق الانعزال والإفراط في الاعتداد بالنفس ومن بينهم عدد كبير من الانتهازيين والوصوليين الذين نعرفهم حق المعرفة لأنهم مارسوا مثل المهنة من قبل ولم ولن يتقوفوا. وحتى لو كان قيس سعيد على حق في التقييم وتمشي الإصلاح، والأمر ليس كذلك، فإن تونسيي 2021 لن يسمحوا له أن يقودهم إلى الجنة بالسلاسل، لأن كثيرا قبله قطعوا على أنفسهم مثل هذا الوعد، لكنهم لم يفلحوا، لأن ليس ذلك هو طريق الفلاح، وعموما رقاب التونسيين تهرأت من كثرة المحاولات الفاشلة لجرهم نحو الجنة بالسلاسل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا