الشعبوية والديمقراطية: خطّان متوازيان؟

بقلم: مسعود الرمضاني
يُنسب الى غوبلز، وزير الدعاية الالماني وأحد ابرز منظري النازية ،قوله «كلما سمعتُ كلمة ثقافة، تحسستُ مسدسي» وهي عبارة جد بليغة،

لأنها تعبّر عن هذ التناقض المبين بين الثقافة، أي مجموعة العادات والقيم والمعرفة بما يعنيه ذلك من تعددية فكرية وتعايش سلمي بين افراد المجتمع على اختلاف آرائهم ومعتقداتهم وبين ايديولوجية تسلطية تحتقر الاخر وتسعى الى تقزيمه، بل حتى الى ابادته احيانا، ولئن انهزمت النازية وانتهت بمحاكمة قياداتها في نورمبارغ منذ ان وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها، الا ان الفكر الذي يحتقر الثقافة و يدغدغ مشاعر الناس ويمقت النخب ويتمرّد على المؤسسات ويسخر منها، بدعوى انها بيروقراطية ولا تلبي مطامح الشعب عاد من جديد في واقع العولمة التي تراوح بين الانفتاح الاقتصادي بثورتها الاتصالية والتكنولوجية وانتصارها لاقتصاد السوق و بين الانغلاق الثقافي ، كآلية يائسة احيانا للدفاع عن الهوية بأبعادها الاجتماعية والثقافية والدينية ...

قد لا يشهر الشعبويون الذين صعدوا في السنوات الاخيرة في اوروبا وامريكا وحتى في بعض منطقتنا العربية دائما مسدس غوبلز ، لكن هناك الكثير من المشترك الذي يجمعهم بفكر الرجل وخطابه وظروف صعوده، لعل اهمها استغلال اهتراء افكار النخب السياسية وفقدانها للمصداقية وضعف بدائلها امام التحديات الكثيرة التي طرحتها اقدام النيوليبرالية في سياق انتشارها الساحق.

الاوضاع الاجتماعية الصعبة وخواء النخب وغياب البدائل السياسية الواقعية هي التي شحذت الخطاب الشعبوي المباشر والذي أخذ شيئا فشيئا يجد صداه لدى المواطنين العاديين ، شعاره «اجوبة بسيطة وجاهزة لقضايا معقدة»، والاجوبة لا تعني بالضرورة البحث في حلول لهذه القضايا وقد لا يهم حلها، اصلا، بقدر شفائها لغليل جمهور غاضب من عقم النخب وخطابها الاجوف...

تبسيط مفرط للفكر السياسي الى حد الابتذال احيانا، استخدام مشحون بالعاطفة لكلمة الشعب واستحقاقاته واستدعاء للتراث عموما والتراث الديني تخصيصا و استحضار رموزه وشخوصه لإضفاء القدسية على خطابها، مع اضافة نزعة قومية مفرطة لمحاصرة كل فكر منفتح على الاخر، تلك هي ادوات الانتصارات الشعبوية في عديد بلدان العالم اليوم...

شعبوية ترامب لم تنهزم:

الشعبوية التي صعدت اخيرا في بلدان مثل المجر والبرازيل والهند وتركيا قد تختزل اسبابها في الخوف: من صعوبة الاوضاع الاقتصادية ومن شبح البطالة والمهاجرين ،وصعودها في الانتخابات وبقائها في السلطة والجاذبية لخطابها الملتبس المناهض للمؤسسة (الايستابلشمنت)بكل مكوناتها السياسية والثقافية لازالت تسحر العديد من الناخبين حول العالم.
خذ نتائج الانتخابات الامريكية مثلا ، لئن استبشر العديد من سكان العالم ، بمن فيهم قادة غربيين بفوز جو بايدن ، الا ان النتائج التي حققها ترامب تؤكد لا فقط الاستقطاب الامريكي الحاد اليوم ، بل ايضا وربما الاهم ان سياسة ترامب رغم ما فيها من عداء للنخب والديمقراطية والاقليات والنساء، لازالت تجد صداها لدى الشعب الامريكي فالرئيس المنهزم تحصّل على حوالي سبعين مليون صوت، أي أكثر ممن انتخبوه سنة 2016.

وحسب «ميديا بارت» فان الاوضاع الاقتصادية لعبت دورا مهما في كم الاصوات التي تحصل عليها دونالد ترامب ، اذ تبين بالتدقيق في الاحصائيات أنها كانت محددة بنسبة 35 ٪ (مقابل 11 ٪ للامن و20 ٪ لقضايا العنصرية) في الانتخابات و»اولئك الذين وضعوا هذه المسالة ضمن اولوياتهم صوتوا لترامب بنسبة 82 بالمائة ، وذلك رغم ان ازمة كوفيد 19، التي سخر منها ترامب، احالت حوالي 20 مليون شخص على البطالة».

جاذبية اللغة أيضا؟
يرى المتابعون أن لخطاب ترامب ثلاث ميزات، أنه غير مألوف من النخب، اي انه يتماهى مع خطاب رجل الشارع وعنيف يطلق الوعيد على «جبهات الاعداء والخصوم» ومباشر ، اي انه قليلا ما يلجأ الى اللغة الديبلوماسية . تقول سوزان هونستون ، استاذة اللغة الانجليزية بجامعة برمنغهام في مقال بعنوان «دونالد ترامب ولغته الشعبوية» ان «لغة ترامب مميزة جدا لأنها مبنية على خطاب غير رسمي . ورغم انها تظهر غريبة شكلا ومضمونا بالنسبة لزعيم سياسي الا ان جاذبيتها تكمن في انها مألوفة لدى الجمهور الواسع» ، فهو عكس اوباما تماما ،لا يتقن الخطابة ولا يميل الى التعقيد ولا الى استعمال الجمل الطويلة ، يختار جملا بسيطة وقصيرة ، يمكن استيعاب مضمونها بسرعة من طرف اغلب الناس.
رغم فوز جو بايدن وتبنيه خطابا عقلانيا يهدف الى رأب الصدع وتوحيد الشعب و»ترشيد السياسة»، فان ملايين الاصوات التي ساندت ترامب تشي بان الشعبوية ليست حالة عابرة وان تجربتها في الحكم ليست طارئة وان عودتها في المرة القادمة ليست مستحيلة.

وبقطع النظر على نتائج الانتخابات الامريكية ومستقبل شعبوية ترامب هناك ، يشغل بال المحللين سؤال مهم وهو : هل تمثل الشعبوية خطرا على الديمقراطية ؟ على الاحزاب السياسية والمؤسسات؟

ترى الكاتبة البليجيكية اليسارية ، شانتال موف ، في مقال لها بعنوان «التحدي الشعبوي» The Populist Challenge)) اننا نعيش زمن ما بعد الديمقراطية ، لان هذه الالية قد ضعفت في العقود الاخيرة بسبب الهيمنة النيوليبرالية ، التي قلصت دور المؤسسات والاجهزة البرلمانية، حتى أن الانتخابات اصبحت «مسألة تقنية لاغير» اذ لا توفر بدائل ولا خيارات امام المواطنين الذين يرون ان الاحزاب متشابهة ولا تحمل مشاريع مختلفة، بل انها «غير قادرة على تقديم برامج بديلة»...

وسواء اتفقنا تماما مع شانتال موف او اختلفنا معها في البدائل التي قدمتها ، فالاكيد في نظرنا ان الديمقراطية اليوم تعيش ازمة عميقة ، بسبب انحسار دورها في الحريات السياسية والتعدد الحزبي واستقلال السلطات وحرية الرأي ، دون الانتباه الى امر مهم ، وهو تفاقم التفاوت الاجتماعي وتآكل الطبقة الوسطى وتعميق الهوة بين الطبقة السياسية والنخب وتخلي الدولة عن دورها التعديلي وسيطرة الاحتكارات المالية على دواليبها ، مما يجعل الشعوب فريسة سهلة لخطاب شعبوي يقوّض أسس الديمقراطية ذاتها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا