حديث الفرد: هو الفكر، لا يستقرّ على حال

في ما أرى، أنا رجعيّ. فكريّ رجعيّ. مواقفي رجعيّة. في ما أقول وفي ما أكتب، أصبحت رجعيّا. هذا ما يقوله بعض من صحبي. هذا ما يؤكّده بعض من قرّائي...

لماذا أصبحت رجعيّا وفي ما مضى كنت تقدّميّا، أتّقد نارا وثورة؟ لماذا تغيّرت وانقلب فيّ الفكر؟ حيّرني السؤال. أعدت النظر في نفسي. عدت أقرأ ما كتبت. في ما كتبت أرى أنّي غدوت محافظا، رجعيّا. عديد المواقف تدلّ، تثبت أنّي من أهل اليمين، أنّيّ رجعيّ... هل حقّا أنا اليوم رجعيّ؟ لا أدري. قد يكون. قد لا يكون. فكريّ مشوّش. احترت في أمري...
ما الرجعيّة وما التقدّميّة؟ الرجعيّة هي رجوع إلى الخلف. هي مناهضة التقدّم والتمسّك بما كان من فكر دائر ومن نظر ماضويّ. الرجعيّ هو عبد محافظ، مناصر لما انتشر بين الناس من قيم ومن معتقد. دوما يسعى لإبقاء الحال على حاله. لا يحبّ التغيير ولا العصر. يبغض الاختلاف ويعتقد أنّه المرجع. أنّه الأفضل. يناهض أهل اليمين كلّ مراجعة للذّات وكلّ مسّ

بالهويّة. الهويّة، عندهم ركن هامّ، أساسيّ. دوما معتزّ بجنسه، بأصله، بوطنه. مناصر لملّته، لدينه، لتاريخه، للغته. يخاف الرجعيّ الآخر المختلف. يرى فيه خطرا داهما. يبغض الرجعيّ أحزاب المعارضة وتنظيمات اليسار. يكره كرها شديدا العلمانيين والمثليين وكلّ الأقلّيّات في الأرض...
أمّا التقدّميّة فهي السعي قدما إلى الأمام، إلى التطوّر. هي تناصر كلّ جديد وتساند كلّ حديث. التقدّميّون هم من أهل اليسار. يسكنهم حرص شديد على تجديد ما كان من فكر دائر وعلى مراجعة ما كان من سنن منتشرة. يناصر التقدّمي القيم الكونيّة ويدعو إلى التأسيس إلى نظم يلقى فيها الناس كلّهم مساواة وحظوظا وأمنا. أهل اليسار هم رفاق الأقلّيّات جميعا والكادحين والمعذّبين في الأرض. لا فرق عند التقدّمي بين الأنثى والذكر، بين الكافر والمؤمن. كلّ البشر هم إخوة وكلّ الأوطان هي ملك للناس جميعا... على خلاف أهل اليمين، تلقى أهل اليسار دوما في المقدّمة، في كلّ معركة. جماعة اليسار عقلانيّون. يدعون إلى إعمال العقل والتخلّص من براثن الدين ومن كلّ نظر رثّ. أهل اليسار فكر متّقد. دوما في سعي لحماية المحيط والتأسيس لعيش أفضل وأرحب...

° ° °
حين أقيّم ما كتبت في ظلّ ما جاء من تعريف، أراني مخضرما. مرّة ألقاني تقدميّا ومرّة أراني رجعيّا. مرّة آخذ فكري من اليسار ومرّة أقطعه من اليمين. في ما أرى، أنا لست تقدّميّا صرفا ولست رجعيّا صرفا. أنا بين بين... في كتاباتي، كثيرا ما عبّرت عن بغضي ومعارضتي لرجال الدين والمحافظين ومن طفحت قلوبهم إيمانا منتهيّا. هؤلاء الغارقين في الغيب الذين لا يعرفون حيرة ولا شكّا هم، عندي، عرقل لكلّ تجديد، لكلّ حداثة. أنا لا أومن بالغيب وأناصر العصر وأدعو إلى اعتماد العقل في كلّ أمر وشأن. في الآن ذاته، تراني أعارض النقابات العمّاليّة وأراها تأتي غباوة وغلوّا. في السنوات الأخيرة، كنت دوما ضدّ الإضرابات والاعتصامات والتحرّكات الشعبيّة. أحيانا، أناهض الشعب كلّه وأدعو إلى زجره حتّى ينتهي من الجهل ومن الهمجيّة. ليس كلّ ما يأتيه الشعب هو صواب وصلاح. قد يأتي الشعب حمقا وغلوّا...
في ما كتبت، كنت دوما مناصرا للأقلّيّات من يهود وسود ومثليين، ولحرّيّة الرأي والضمير. كنت أيضا من أنصار الاقتصاد الليبراليّ. أنا لا أومن بالقطاع العامّ. دوما أدعو إلى بيع الشركات العموميّة وتسريح ما فيها من شغّيلة لا تعمل ولا تثمر. لا دخل للدولة في الشؤون الاقتصاديّة وأراها سيئة التصرّف بالطبع...

° ° °
أنا ولا شكّ تغيّرت... في ما مضى، كنت محبّا للطبقة الشغّيلة وفيها أرى الأمل والثورة. العمّال هم ضمير الشعب وهم السبيل لتحرير الأرض والفكر. طالبا، كنت مغرما بالإضرابات وبالمظاهرات شغوفا. أعشق كلّ تحرّك عمّاليّ وأساند كلّ صخب شعبيّ. مهما كانت الأسباب، مهما كانت الظروف، أنا دوما مع الطبقات الكادحة المقهورة، مع اتّحاد الشغل. اتّحاد الشغل هو الحامل للراية وهو السند لكلّ حراك اجتماعيّ. نضالات النقابات هي نضالاتي. أمشي في المظاهرات. دوما تلقاني في صفّها الأوّل...
اليوم، أصبحت أكره المظاهرات الشعبيّة والإضرابات العمّاليّة والتحرّكات الطلّابيّة. أرى في اتّحاد الشغل قوّة تستبدّ وتتجاوز كلّ حدّ. لا أحبّ خطب النقابيين ولا سيرهم في الأرض. أكره ما يأتونه من صعلكة ومن عضرطة. أكره الإضرابات العمّاليّة. يشدّني حزن بليغ لمّا أرى المدارس والجامعات تغلق من أجل الأجور. نقابات الثانويّ تعبث في الأرض وتهتك بالنشء. أمّا المظاهرات في الشارع وقد أصبحت صناعة وطنيّة فهي عندي عرقل للحياة وفيها ضرر شديد. الإضرابات والاعتصامات والحرق وقطع الطرق... هي عندي فوضى منكرة. هي فعل مفسد. هو الشعب يفقأ عينيه بأصابعه. يخصي نفسه بيديه...

° ° °

أحيانا أسأل نفسي عمّا أصابني حتّى أكره ما كنت أحبّ وأعارض من كنت أناصر. ماذا تبدّل فيّ؟ أشياء كثيرة تبدّلت فيّ. أنا اليوم عبد مختلف. تغيّرت من الرأس إلى القدمين. أنا اليوم إنسان آخر. أحمل عمري وتجربتي ولي وضع خصوصيّ. «منظاري» تبدّل. تمثيليّاتي انقلبت طولا وعرضا.
في ما مضى، كانت لي قناعات راسخة وطرح منته. كنت واثقا من فكري. لا يخامرني شكّ ولا تأخذني ريبة. أنا من اليسار روحا وجسما... انتهى ذاك الزمن. ضاع يقيني وانتهى الكثير من فكري. مع السنين تجري، ألقاني، فجأة، عبدا آخر، مختلفا. أومن بما لم أأمن به قديما. أحمل أسفارا جديدة. فيّ نظر نقيض. تغيّرت وتغيّر الناس من حولي وصلاتي بالسماء وبالأرض. لا أدري ما الذي جرى ولماذا انقلبت نفسي على نفسي. أحيانا أقول هو التطوّر. أحيانا أقول هو الفكر يكتمل. أحيانا أنكر التغيير وأقول إنّي مازلت على العهد، يساريّا...
لماذا أنا في اضطراب، لا أستقرّ على حال؟ لماذا أنا بين المتناقضات أبيت وأغدو؟ هل أنا ريح تجري؟ هل أنا سيل ينساب مع السيل؟ بالأمس، لا أؤمن بالأنبياء ولا بالكتب. اليوم، يخامرني شكّ. في الصباح، أومن بالقضاء وباليوم الآخر وفي العشيّة، أنكر ما كان من غيب وما جاء من رسل. أنا اليوم لست مؤمنا ولا ملحدا. لست من الحديث ولا من القديم. لست من اليسار ولا من اليمين. أنا على حافّة الأطراف جميعا.

أنا ماء يسري. أنا ريح تهبّ. لا قيم عندي قارّة ولا فكر لي مستقرّ. لا إيمان فيّ راسخ ولا فكر عندي ثابت. أنا دوما في تأرجح، في تردّد، في شكّ. في مطلع كلّ يوم، أعيد النظر في ما كان لي من طرح. أجتهد، أسعى حتّى أتبيّن. أنظر من هذه الزاويّة وأمشي بالبصر إلى الأخرى. في كلّ زاويّة، يتأسّس لي نظر وألقاني تجاه أسئلة مختلفة. كذلك، قضيت العمر بين بناء وهدم. أنا في ترحال مستمرّ. «أميح مع الرياح» شرقا وغربا. إن قلت رأيا وخالفته، إن أتيت فعلا ونقضته، إن حملت معتقدا ونسخته... فهذا هو أنا. كائن رخو. مضطرب. ممزّق. أحمل الأضداد كلّها. فيّ تناقض ضارب، مستمرّ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا