من دروس كارثة سبيطلة: ضرورة وضع الشرطة البلدية تحت سلطة البلديات

بقلم: عبد المجيد المسلمي
عضو بحركة تحيا تونس
أظهرت الوفاة المؤلمة لمواطن خلال هدم «كشك» عشوائي في مدينة سبيطلة إخلالات فادحة في عمل منظومة البلديات.

و يتمثل الإخلال الأكبر في غياب التنسيق بل الإنفصام dysfonctionnement بين سلطة القرار المتمثلة في البلدية التي قررت الهدم و بين الذراع التنفيدية لتلك القرارات و هي الشرطة البلدية التي لا تخضع للبلدية و إنما تتبع وزارة الداخلية و منطقة الشرطة تحديدا.
إن عدم خضوع الشرطة البلدية لسلطة المجلس البلدي يمثل إخلالا جوهريا طالما نبه إليه رؤساء البلديات أنفسهم والمجتمع المدني و المواطنون دون أن يجدوا أذانا صاغية.
منذ سنة 20012 : الشرطة البلدية تحت سلطة وزارة الداخلية
بعد الثورة طالبت أسلاك الشرطة البلدية عبر تحركات عديدة بإلحاقها بقوات الأمن الداخلي لأسباب مفهومة تتعلق بالامتيازات التي توفرها وزارة الداخلية. و قد استجاب لها محمد عبو وزير الوظيفة العمومية آنذاك و علي العريض وزير الداخلية و تم إصدار الأمر عدد 518 المؤرخ في 2 جوان 2012 الذي حذف سلك مراقبي التراتيب وأدمج أعوانه بسلك الأمن و الشرطة مما أفقد البلدية سلطة الضبط العدلي. لقد كان قرارهما خطوة كارثية على البلديات التي دخلت مرحلة خطيرة من الفوضى وتجاوز القانون لازالنا نعيش أثارها إلى حدّ اليوم.
ومنذ 2014 بدأ رؤساء النيابات الخصوصية للبلديات و المواطنون يلاحظون حجم الكارثة التي حلت بالبلديات بعد حرمانها من جهازها التنفيذي المتمثل بالشرطة البلدية. فهذه الأخيرة أصبحت تتبع السلطة الأمنية المتمثلة جهويا برئيس منطقة الشرطة. و ليس لرئيس البلدية أي سلطة عليها مما يجعل العديد من أوامر و تعليمات رئيس البلدية تبقى حبرا على الورق في عديد الأحيان. من جهة أخرى فإن الشرطة البلدية مطلوب منها إنجاز الأعمال الأمنية الأخرى مما يجعلها عاجزة في عديد الأحيان عن إنجاز المهام البلدية. هذا إضافة إلى انتشار ظاهرة تحدي الدولة و تجاوز القانون و مظاهر الرشوة و الفساد. و بعد انتخاب المجالس البلدية سنة 2018 ما انفكت البلديات تطالب بوضع الشرطة البلدية تحت سلطتها لمساعدتها على تنفيذ القرارات و لكن دون جدوى.
الشرطة البيئية : ليست حلا للمعضلة
و عوض حل هذه المعضلة اتجهت وزارة الشؤون المحلية إلى إنشاء سلك الشرطة البيئية الذي دخل حيز النشاط في جوان 2017. و قد بقيت صلاحياته محدودة بحفظ الصحة و النظافة ضمن قانون حفظ الصحة عدد 30 لسنة 2016. في حين بقي التصدي للبناء الفوضوي و التعدي على الملك العام و تفعيل قرارات الهدم من صلاحيات الشرطة البلدية. حينذاك رفضت نقابات الشرطة البلدية هذا السلك «المنافس» و أصدرت بيانا ناريا نددت بوجوده لا بل هددت بإيقاف أعوانه الذين ينتحلون صفة «الشرطة». وقد جدت حوادث نزاعات حول الصلاحيات بين السلكين وتم رفع قضايا أمام المحاكم. أما قانون الجماعات المحلية لسنة 2018 فإنه أقر سلطة رئيس البلدية على الشرطة البيئية ولكنه لم بنبس بأي كلمة حول علاقة البلديات بالشرطة البلدية.
هكذا أصبح هنالك سلكان للشرطة البلدية و لكن الجدوى كانت ضعيفة.
تفويض صلاحيات الشرطة للبلدية إلى الشرطة البيئية.
جميع الأطراف واعية بأنه على الشرطة البلدية أن تكون تحت سلطة رئيس البلدية من أجل إنفاذ القرارات. و قد أصدر الموفق الإداري تقريرا بتاريخ 1 فيفري 2018 يؤكد فيه على هذه المعضلة ويدعو إلى وضع الشرطة البلدية تحت سلطة البلديات. ولم تستطع مختلف الحكومات والوزراء الذي تعاقبوا على القيام بهذا الإجراء ربما تخوفا أو تفاديا لضغوطات النقابات الأمنية التي تحرص على أن تكون الشرطة البلدية تحت إشراف وزارة الداخلية. و لتجاوز هذه العقبة يمكن لأصحاب القرار( الوزير الحالي) أن يحولوا مهام الشرطة البلدية المتعلقة بمراقبة البناءات و الرصيف و الملك البلدي إلى الشرطة البيئية التي تخضع قانونا إلى رئيس البلدية. ومن الضروري أن يدعموها بالإنتدابات لتصبح الشرطة البيئية جهازا قويا و متينا على غرار البلديات في البلدان المتقدمة التي لديها شرطتها البلدية الخاصة والتي تنفذ قراراتها. أما الشرطة البلدية فمطلوب منها الإنصراف إلى مهامها الأمنية و هي عديدة ودعم الشرطة البيئية متى تطلبت الضرورة ذلك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا