فاجعة سبيطلة أبرزت مأساة الحوكمة العمرانية والبيئية

بقلم: عبد الستار بن موسى
شهد حي السرور بمدينة سبيطلة فجر يوم 13 أكتوبر 2020 حادثة أليمة تمثلت في إزهاق روح بشرية على إثر هدم

كشك دون التأكد من خلوه. فأنقلب حي السرور إلى حي الآلام والأحزان مما ولد موجة غضب واحتقان عارمة بمدينة سبيطلة وتبادل التهم بين المسؤولين والتنصل من تحمل المسؤولية ونتج عنه عدة إقالات وفتح تحقيقات
إن الحوكمة العمرانية والبيئية ببلادنا أصابها الشلل منذ زمان واستفحل الوضع منذ سنة 2011 وعمَت الفوضى العمرانية كل مكان.
إن سبب هذه المصيبة وضحيتها في نفس الوقت هو الإنسان.
إن مجال التهيئة الترابية والعمرانية ومراقبة التراتيب الصحية والبيئية يستحوذ على باب قار ضمن التقرير السنوي للموفق الإداري منذ إحداثه منذ سنة 1992 مما يدل على أن ظاهرة التدهور العمراني والبيئي ليست بالجديدة على بلادنا إلا أنها استفحلت وزادت تعقيدا منذ سنة 2011 حيث أن الشكاوي المعروضة على مصالح الموفق الإداري والمتعلقة بهذا المجال تمثل تقريبا ربع مجموع العرائض المعالجة سنويا من قبل هذا الهيكل
وقد بلغ عدد العرائض في المجالين العمراني والبيئي 1345 عريضة منذ سنة 2012 وذلك نتيجة لما لوحظ من تجاوزات وإخلالات وتفاقم لظاهرة البناء الفوضوي.
كما تم تسجيل 345 عريضة خلال سنة 2018. ولم تستجب الإدارة إلا إلى نسبة 15 ٪ من مجموع العرائض المعروضة على أنظارها من قبل مصالح التوفيق.
لذلك بادرنا بتنظيم ندوة وطنية حول الحوكمة البيئية والعمرانية ضمت الوزارات المعنية (الداخلية والشؤون المحلية والتجهيز) والولايات والبلديات.
تم تنظيم الندوة الأولى بتونس يوم 19 فيفري 2020والثانية بسوسة يوم 4 مارس 2020 والثالثة يوم 11 مارس 2020 بصفاقس إلا أن جائحة الكورونا وإقرار الحجر الصحي أجبرنا على تأخير ندوتي قفصة والكاف الواقع برمجتهما يومي 18 و25 مارس 2020.
لقد تم تنظيم الندوة الوطنية حول الحوكمة العمرانية والبيئية بمبادرة من الموفق الإداري برئاسة الجمهورية في إطار مهامه التوفيقية ودوره في الدفاع عن الحقوق على أساس العدل والإنصاف وكذلك نظرا لما تمثله مسألة العمران والبيئة من أهمية وتأثير بالسلب أو الإيجاب على صحة المواطن الذي هو في حاجة إلى محيط عمراني وبيئي سليم يوفر أبسط مقومات العيش الكريم .
فإذا كان العقل السليم في الجسم السليم فإن الجسم السليم في حاجة إلى محيط عمراني وبيئي سليم .
لقد اتضح خلال الندوة الوطنية الأولى أن عدد الأحياء الفوضوية قد بلغ 1400 حيا شعبيا حسب آخر إحصائيات لوزارة التجهيز والتهيئة الترابية والتعمير ونسبة البناء الفوضوي ناهزت معدل 40 ٪ من الملك العمومي للطرقات والمياه.
كما تجاوز عدد البناءات الفوضوية حسب تقديرات وزارة الشؤون المحلية والبيئة 350.000 بناء فوضوي.
كما أن التوسع العمراني المنفلت والبناء العشوائي أفرز مشهدا عمرانيا فوضويا في جل المدن والأحياء بما في ذلك الأحياء الراقية وغابت بفعل ذلك الخصوصية العمرانية والجمالية وانعدم الإبداع العمراني.
لقد ارتفع عدد البناءات العشوائية التي أقيمت دون ترخيص قانوني على تخوم الأرياف وفوق أراضي فلاحية أو بالقرب من المدن وازداد عدد سكانها بحيث أصبحت خارجة عن سيطرة الدولة ، ولقد حاولت مؤسسات الدولة إدخال تلك الأحياء في مخططات التهيئة العمرانية لكن دون توفير الحد الأدنى من الخدمات والمرافق ودون خطط إدماج في مجال التنمية والنهوض الإجتماعي فأصبحت تلك الأماكن بؤر فقر وبطالة وإجرام نظرا لافتقارها لأبسط مقومات العيش الكريم .
إن أهمية الندوة لا تكمن فقط في تشخيص العلل وإنما في اتخاذ الحلول الملائمة وعلى إثر النقاشات والحوارات بين مختلف الأطراف المتداخلة أفرزت الجلسات العامة ورشات العمل عدة توصيات أهمها:
1 - إصدار التشريعات المتعلقة بالإدارة اللامحورية والنصوص التطبيقية لمجلة الجماعات المحلية .
2 - اصدار مجلة التهيئة والتعمير والتنمية المحلية الجديدة في إطار رؤية شاملة للشأن اللامركزي لا وفق مقاربة قطاعية .وملاءمة أحكامها مع أحكام مجلة الجماعات المحلية وتلافي النقائص الموجودة راهنا.
3 - تحيين امثلة التهيئة العمرانية بإستمرارو بالإعتماد على المعطيات الواقعية وتحديد حوزة الملك العمومي للطرقات ومناطق التدخل العمراني والمناطق الأثرية والشريط الساحلي بهدف التوقي من التجاوزات والحماية من الإعتداءات على حقوق الأجيال القادمة في محيط عمراني وبيئي سليم
4 - فرض إحترام الملك العمومي والتصدي لكل أشكال الإعتداء عليه حينا وبكل صرامة وإعداد أماكن وأمثلة نموذجية موحدة للأكشاك تتماشى والنمط العمراني لكل جهة قصد تفادي الفوضى والنشاز وللمحافظة على جمالية المدن.
5 - تفعيل التدخل البلدي في التتنمية المحلية من خلال توفير عربات مرقمة وبأثمان معقولة لإستعمالها من قبل الباعة المتجولين تفاديا للإنتصاب الفوضوي و على غرار ماهو معمول به بالبلدان المتطورة.
6 - إعادة النظر في جهاز التراتيب البلدية وجعله تحت إشراف رؤساء البلديات باعتبار أهميته في انفاذ قرارات المجالس المحلية ، خاصة بعد إدماج الجهاز القديم في الشرطة والحرس الوطنيين
7 - تفادي كثرة الأجهزة ( شرطة بلدية ، شرطة بيئية، أعوان المراقبة الإقتصادية )، وإذا إقتضى الأمر الإبقاء عليها فيجب إحكام التنسيق بينها لكي لا يتم إجراء نفس الأعمال الرقابية من مختلف الأجهزة.
8 - اعداد دليل تفصيلي للإجراءات المستوجبة في مراقبة استغلال المجال الترابي المحلي وتحديد المسؤوليات في المعاينات والمخالفات .
9 - تبسيط الإجراءات الإدارية للحصول على مختلف الرخص في المجال العمراني والبيئي
10- إقرار المراقبة القبلية السريعة والناجعة وضرورة التدخل السريع من قبل البلديات لإجراء المعاينات واتخاذ الإجراءات الفورية لإيقاف الأشغال وحجز المعدات من قبل أعوان التراتيب التابعين لكل بلدية وإقرار الاستمرارية والتناوب في عملهم وهو ما يتطلب توفير الأعداد الكافية والإعتمادات اللازمة.
11 - تفعيل الإجراءات المتعلقة بمسؤولية المشاركين في البناء الفوضوي (المقاول، البناء، المهندس المعماري).
12 - إعداد دليل من قبل كل بلدية يضبط بصفة واضحة وإلزامية مجال التدخل الترابي لكل عون مراقبة لتحديد المسؤوليات ومجابهة ظاهرة التنصل من المسؤولية عند حدوث إخلالات
13 - في صورة إكتمال بناء فوضوي جعل إصدار قرارات الهدم من إختصاص القضاء وفي آجال محددة و الاسئناس بالقرارات الإدارية الصادرة.
14 - ضرورة إنخراط المؤسسات الإعلامية في التوعية والتحسيس باحترام التراتيب العمرانية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا