متى نستوعب التجربة «العٌمانية» في المجال الرقمي ؟

بالبنط العريض وفي بلاغ رسمى «للوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية» تمّ الإعلان عن أن تونس تحصّلت علي أربع جوائز في المسابقة العربية

للأمن السيبرانى في نسختها الثالثة التي نظّمها «المركز الإقليمي العربي للأمن السيبرانى» التابع «للاتحاد الدولى للاتصالات» بالتعاون مع مؤسسة عالمية متخصصة في السلامة المعلوماتية في شكل مجموعتين :
- المجموعة العمرية الأولى بين 17 - 24 سنة،
- المجموعة العمرية الثانية للشباب الذى سنه بين 24 وما فوق.
شهدت هذه المسابقة مشاركة أكثر من عشر دول عربية حيث احتلت بلادنا المرتبة الأولى بالنسبة للمجموعة الأولى وحصدت المراتب الثلاث الأولى بالنسبة للمجموعة الثانية !
مما لا شك فيه أنّ تألق عدد من شبابنا علي المستوى العربي من شأنه ان يٌدخل الغبطة والأمل في العديد منا .. خبر تزامن بصيغة التأكيد مع دراسة بحثية في ثلاثة أجزاء بعنوان « الهاكر التونسى : من هو ؟ وكيفية الاستفادة منه ؟» نٌشرت في الاونة الأخيرة بصحيفة «المغرب».
لكن بعد النبش في هوية الجهة المنظمة للمسابقة أحسست بمرارة وألم شديدين كيف لا ودولة «سلطنة عمان» التي كانت بالأمس القريب تتلمذ وتنهل من خبراتنا في جميع الميادين في إطار منظومة «التعاون الفنى»، أمست اليوم متقدمة عنا في أشد الاختصاصات حساسية وحيوية في عالم اليوم ألا وهو مجال «السلامة المعلوماتية» وحائزة عن جدارة علي مقعد مميز في نادى الدول الكبار في هذا الاختصاص.
تفوّق شبابنا بدرجة الإمتياز في هذه المسابقة يكشف بما لا يدع للشك مجالا الحسّ الخوارزمي والمعلوماتى المرتفع الذى يتمتع به الجيل الجديد من أبنائنا مما يجعلنا نؤمن بأن «الحلم التونسى» le rêve Tunisien في غد أفضل قادم لا محالة متى تحرّرت هذه الطاقات الكامنة والمتوثبة من الالة البيروقراطية الرهيبة القائمة علي ثنائية الرتابة والرداءة inertie/médiocrité لكن الهاجس الذى يبقى يطارد العديد منا والمختزل في التساؤلات التالية : ألم يكن من باب أولى وأحرى ان تكون بلادنا الجهة المنظمة لمثل هذه المسابقات من خلال بعث مركز اقليمى عربي للسلامة السيبرانية بمبادرة تونسية ؟ ألم نحرم من فرصة استعادة موقعنا المميز في هذا المجال في فضائنا العربى ؟ الم نكن الدولة الأولى عربيا وافريقيا في تاريخ الارتباط المؤسساتي بشبكة الإنترنت ؟ ألم نفوّت علي أنفسنا إمكانية الالتحاق بنادى الكبار في مجال «أمن المعلومات» بسبب اصابتنا «بمتلازمة التفوّق والغرور» syndrome d’hubris في حين اختار غيرنا نهج العمل والاجتهاد بتواضع وبصمت الكبار ؟ .
في تفصيل للتجربة الرقمية العٌمانية الحديثة في مجال «السلامة المعلوماتية»، ومن باب استيعاب هذا الدرس المٌتفرّد سنتوقف عند عدد من الحقائق الكبرى المٌجسّمة لما اصطلح علي تسميته « بالمعجزة العمانية « في بحر عربي - فارسى هائج لا بقاء فيه إلا للأصلح علميا وتكنولوجيا .
1- الحقيقة الأولى:
- في سبعينات القرن الماضى لا تتوفر «سلطنة عمان» علي أدنى المقومات اللوجستيية للتنمية والتطور، فلا وجود لمطارات ولا لشبكة طرقات ولا لمؤسسات جامعية، إلا انه انطلاقا من الألفية الجديدة شهدت السلطنة نهضة عمرانية وتكنولوجية كبرى غيّرت وجهها بالكامل من خلال تخطيط عمرانى متطور في تناسق كامل مع البيئة الجغرافية المحيطة والتاريخية الحاضنة ، وبشبكة نقل واتصالات حديثة، وبمؤسسات تربوية وجامعية ومخابر بحث متعددة الاختصاصات بمواصفات دولية عالية وبمنظومة سلامة معلوماتية نموذجية بؤتها احتلال مراكز متقدمة في مختلف التصنيفات التي أجراها «الاتحاد الدولى للاتصالات».
- تحتلّ «سلطنة عٌمان» المرتبة الأولى عربيا ضمن قائمة أفضل الوجهات الأكثر أمانا للمعيشة وجودة الحياة بحسب الاستطلاع المعروف عالميًا باسم «إيكسبات انسيدر» Expat inseder أحد أكثر التقارير شمولية في العالم حول المعيشة في الخارج.
2- الحقيقة الثانية:
- نجحت «سلطنة عمان» في الاستفادة القصوى من برامج «التعاون الفنى الدولى» مع مختلف الدول بغاية تحقيق حد أدنى من الاكتفاء الذاتى في «المجالات التربوية» و»أمن المعلومات» بشكل خاص وذلك عبر وضعها لمخططات تعاون فنى ثنائية ومتعددة الأطراف مٌكثفة والحرص علي تنفيذها بالدقة والنجاعة المطلوبتين.
- سارعت «سلطنة عمان» قبل غيرها من الدول العربية ببعث «مركز اقليمى عربي للسلامة المعلوماتية» بالشراكة مع «الاتحاد الدولى للاتصالات» منذ سنة 2012 مقره العاصمة العمانية «مسقط» من أبرز أهدافه الاشراف علي تنفيذ البرنامج العام للأمن السيبراني للاتحاد الدولي للاتصالات في جميع أنحاء المنطقة العربية.
- منذ سنة 2011 استضافت السلطنة عددا لا يحصى من المؤتمرات والحلقات والندوات في مجال «الذكاء الاصطناعي» IA و» سلاسل الكتل «» Blockchain وأنترنت الأشياء» Internet des objets و»الواقع الافتراضي والمّعزّز» la Réalité Virtuelle et Augmentée يفوق ما نظمته الدول العربية مجتمعة .
- أحدثت السلطنة سنة 2016 «الصندوق العٌماني للتكنولوجيا « الذي يركز علي الاستثمار في المؤسسات الناشئة والأفكار الإبداعية المبتكرة في قطاع تقنية المعلومات حيث تعتمد هيكلية الصندوق علي الشراكة مع مؤسسات عالمية رائدة تركز علي الاستثمار في المشاريع ذات المخاطر المرتفعة في الحقل الالكتروني
- احتلت السلطنة مراكز جد متقدمة في مختلف تصنيفات «الاتحاد الدولى للاتصالات» يكفي أنها في سنة 2017 تبوّأت المرتبة الرابعة عالميا في مجال «الامن السيبرانى» خلف سنغافورة والولايات المتحدة وماليزيا متقدمة علي «استونيا» ...
3- الحقيقة الثالثة:
- تٌعدّ البوابة الرسمية للخدمات الحكومية الالكترونية العمانية omanpprtal.gov.om من أنجع النماذج المتطورة للادارة الالكترونية في المنطقة العربية بشهادة «الاتحاد الدولى للاتصالات» وعديد من الخبراء في مجال «الإدارة الذكية».
4- الحقيقة الرابعة:
- في مواجهتها لفيروس «الكورونا» طوّر فريق مشترك من باحثين تابعين لكلية الهندسة «بجامعة السلطان قابوس» وشركة عٌمانية متخصصة في المجال نظاما ذكيا يستخدم الطائرات المسيرة لقياس حرارة الأشخاص وتسجيلها عن بعد وذلك للكشف عن الإصابات المحتملة والغير المبلغ عنها لتجنب استفحال تفشى العدوى ...
5- الحقيقة الأخيرة والصادمة:
لئن كانت «سلطنة عمان» خلال هذه العشرية تتقدم بخطى ثابتة للتحوّل إلى «مزار رقمى اقليمى» كبير للمنطقة العربية فإننا بالمقابل في العشر السنوات الأخيرة لازلنا «نستقات» من تذكّرات ماضينا الرقمي المميز، نتوهم أننا من نسل «السوبرمانات» ونستمتع بمشاهدة طلائع شبابنا يٌقدّمون كقرابين علمية للمؤسسات والمراكز البحثية الرائدة في العالم .
متى نستوعب الدرس «العٌمانى» ونفتح أعيننا بكثير من التواضع علي التجارب الناجحة ؟
فهل من مستجيب ؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا