حديث الفرد: هو الحبّ، متعة وبهاء ووجود

بلا حبّ تنعدم الحياة. بلا جنس لا متعة ولا حياة في الحياة. الحبّ والجنس هما أساس العيش، قوام الإنسان، عماد الدين، أوتاد الحضارات.

بلا حبّ، ينتشر البؤس وتعمّ في الأرض الحروب والبغضاء. بلا جنس، يحصل في الناس تبعثر وينكسر فيهم العزم وتشتدّ في قلوبهم الظلمات. من لا يعرف الحبّ، عيشه نكد وأيّامه بؤس وسراب. من لا يعرف الجنس تراه في عصب، مشوّش الفكر، سيّء السيرة. بلا حبّ وبلا جنس، يسكن الإنسان هوس وغليان. لا رجاء ولا صلاح في من شدّه الكبت وأكله الحرمان. هؤلاء تلقاهم في عيش نكد وفي شقاء. قلوبهم سواد. سعيهم فساد.
دعني من هذا والعرب المسلمون في كبت منذ أوّل الزمان. بلا حبّ، بلا جنس، بقى العرب في الدرك الأسفل. يأكلهم التخلّف والهوان. الكلّ يعلم أن خراب بيوتهم سببه ما هم فيه من كبت جنسيّ ومن حرمان. الكلّ يعلم أنّ الكبت أفقدهم الرشد وأضاع عنهم الصواب. دع العرب في عقدهم، في غيّهم فلن ينفع معهم شرح ولا بيان. دعهم في قحطهم فلن يفلحوا أبدا وإن صاموا الأشهر وأدّوا الحجّ وأتوا النوافل كلّها والعبادات. لأنّهم في كبت جنسيّ، لن يصلح لهم حال ولن يستقيم لهم زمان...

° ° °
على عكس العرب، أنا أحبّ الحبّ وأعشق الجنس وآتيه، إن استطعت، كلّ يوم، كلّ شهر، طوال العام. أعشق الحبّ في الليل، في النهار، في الظهيرة، في الظلام. لمّا تمطر السماء ولمّا تشحّ. لمّا يشتدّ البرد ولمّا يشتعل الصيف نارا. أحبّ الحبّ فهل في هذا منكر أو حرام؟ أحبّ الحبّ لأنّ الحبّ هو الحياة. هو البلسم. هو المنقذ من الضلال. هو المنهض للعزم، الضامن للنجاح. الحبّ يا سادتي هو كنه الوجود وسرّ الحياة. هو نور من القدس. هو آيات بيّنات. الحبّ هو التحام مع الله. أمّا الكبت فهو مرض خبيث، مقيت، عضال. هو خنق للروح وإنهاك للكيان. هو أصل الحقد والبغضاء بين الناس. في الكبت الجنسيّ يا عرب، يا أعراب، يا أمّة محمّد، قتل للفكر، للفعل، للخيال. هو نفي للإنسان...
الجنس غريزة من غرائز البشر. هو ضرورة من ضرورات الحياة. كيف يحرّم الله ما خلق في الإنسان من ماهيّة، من طباع؟ كيف هو يحرّم الجنس وبالجنس استمرّ الجنس وانتشر العباد في البلاد؟ الجنس هو ماهيّة الإنسان. هو أساس الكون وأصل الحياة. لا أدري لماذا منع الجنس في أرض الإسلام. لا أدري لماذا يبغض المسلمون الحبّ والجنس وكلّ ما هو نعمة ولذّات. هل في الحبّ مضرّة؟ هل في الجنس بغضاء؟

° ° °
في السنوات السبعين من القرن الماضي وما بعدها بأعوام، كان الجنس في بلادي مباحا وكان الحبّ أمرا متداولا بين الناس. يومها، تخلّص التونسيّون من قيود الجنس وانطلقوا مرحى في الحياة، في البناء. قطّعوا يومها الحبال. كسّروا ما كان من حدود وما قيل هو حرام. فتّحوا أبواب الممكن وجعلوا غاية الإنسان في الدنيا هي العضّ على الحياة. في تلك السنين، انتهى الكبت. خفّ ظلّه وانطلق التونسيّون في النظر في ما هو لهم نافع، دافع. كان الكلّ يومها ينظر في الأفق، يتطلّع، يغالب الزمان. يعيد النظر في الموروث وفي ما انتشر من فكر بال ومن عادات. كنّا ننظر في سبل الرقيّ وكيف للفعل أن يستقيم وكيف للعقل أن يستعيد ضياه. كنّا نتدبّر وقد أزحنا عن الأنفس ما كان فيها موصدا، مكبّلا. أيّامها، تفتّحت العيون واخضرّت الحياة. كان الغرب لنا قدوة وكنّا نتّبع خطاه ونأخذ منه، دون خشية، نظره وما أتى من علوم، من حرّيات. في السبعينات، كنت وتونس نحيا. نتّقد عشقا وحماسا...
انتهى ذاك الزمن الجميل. عن حين غفلة، غلّقت الأبواب والنوافذ وانسدل الستار. عاد التونسيّون إلى الزمن الماضي. انتهى عندهم كلّ تفتّح وغلّقت قلوبهم بأقفال. غلّت أيديهم. انكسرت عزائمهم. أصبحوا في الغيب غرقى، إلى الأعناق. عادوا يتضرّعون صباحا عشيّة إلى السماء. ها هم يغيّبون الدنيا وما فيها من سعي ومن لذّات. في عيش قحط، في إحباط، ينتظرون الساعة ويرجون ما في الجنّات من خيرات. يا لهم من أغبياء، من جهّال.

° ° °
دعني من هذا، فلا ينفع كلام مع من يبست حواسّه وانقلب وجهه إلى السماء. هم موتى وإن رأيتهم أحياء. دعك من العرب فلا جدوى منهم ترجى ولن يستقيم لهم حال. لماذا النظر في أمر العرب وأنت تعلم علم اليقين أنّه لن يصلح لهم وضع ولن يتغيّر لهم شأن. دعك منهم، يا صاحبي، وانظر في ما هو لك أبقى وأفضل، وانعم بما أنت فيه الآن...
الآن، ليّ شأن آخر. أنا الآن، هنا، أحيا. بالحبّ أنعم. أحلّق في الفلك، في السماء. ها هي جارتي البهيّة بجانبي، ممدّة بين يديّ. ها نحن وحيدان، في ظهيرة ممطرة، في بيت أبوابه مغلقة، وسط حديقة ناضرة. ها نحن لوحدنا ننعم بالجنس وما فيه من بعث وإشراق. أفعل بجارتي ما أشاء. تفعل بي ما تشاء. تحملني وأحملها. أرفعها وترفعني. آكلها وتأكلني. أشعلها نارا لهيبا وتشعلني نارا حاميّة. كذلك هو الحبّ. كذلك هو الجنس. نار باردة وسلام. تبعث الروح. تحيي العظام. الحبّ كالجنس هو بعث جميل يهبك الحياة، يدفعك إلى الأفق، إلى عرش السماء. هي الروح تنطلق. تسري. تنفجر فتملأ الأرض نورا وبهاء. هي الحياة تنبعث، تتدفّق من كلّ مكان. ها أنت تحلّق في الأجواء. ها أنا طيف عابر، خفيف الظلّ، نور كمشكاة فيها شمس وكواكب وأقمار. أنا روح تسري. أنا في الفردوس، في الجنّات. أمرح. أرفرف. أشدّ النجوم وأعضّ على العرش كما أشاء. أنا الروح القدس، مشرق، مضيء كنور الله في السماء...

تحت اللحاف، أنا وجارتي نحيا. تأكلني وآكلها. أميتها وتميتني. تحييني وأحييها. أضمّها وتضمّني. في صمت، في حركة، أبقى وإيّاها في وجد، في عناق، ساعة من الزمان. تحبّ جارتي المقدّمات. تريدني أن أتمهّل المراحل وأن أعطي البدايات حقّ قدرها. المقدّمات هي الأصل في الحبّ. هي الموقدة للحسّ، المرتّبة لما سوف يأتي من جنس ووجدان. لا تحبّ جارتي العجلة في الحبّ ولا التهافت. تريدني أن آتيها بلطف، بتأنّ، باطمئنان. ها هي بيني يديّ، تتلوّى، تقول همسا، كلاما شهيّا: «نحن هنا لنحيا فتمهّل ولا تعجّل بالخواتيم ففي الخواتيم هجر وعذاب.» محقّة جارتي. في العجلة إفساد للحياة وفي التأنّي نعيم وحياة.
«المقدّمة هي الركن الأهمّ في كلّ شأن وإنجاز. هي المحدّدة لما سوف يأتي من نتائج. في المقدّمة يتحدّد المنهج، تضبط السبل، يكون البيان. إن جاءت المقدّمة حسنة البنيان يكون التقبّل والإقبال. إن ساءت يحصل صدّ ويختلّ البناء.» هذا ما كنت أقوله لطلبتي في درس المنهجيّة وفي أهمّيّة المقدّمة... هل أنت في القسم يا غبيّ؟ هل أنت الآن أستاذ؟ دعك يا رجل من الطلبة وانظر في ما كان بين يديك من لحم حيّ ومن أزهار وأنوار... أنا الآن مع جارتي، في بيت مغلّق الأبواب وهذا رذاذ من المطر وسحاب يغطّي السماء. أنا الآن في الحبّ أحيا. يجب أن أجتهد، أن أجدّد، أن أبتكر طرقا في الجنس مختلفة. يجب أن أؤسّس وجارتي بداية ملهمة. تنهض الحواسّ. تقطع الأنفاس. تبعث الوجدان. عد إلى جارتك وأتّبع ما جاء في الجسم من نسيم وعطر وأمواج واغنم من اللذّات ما استطعت فالحياة أيّام معدودات...

° ° °
الجسم يا صاحبي كوكب جنان. فيه خضرة وفاكهة ورمّان. الجنان، يا صاحبي، يلزمه صون وحرص وقدرات. يلزمه متابعة وإتقان. انتبه ولا تخطئ السعي وتمشي في سبل الأوائل وترضى بما ادّعوا من بيان. لا يلزم الأجنّة حرث ولا محراث. أنت لست في أرض قحط، يابسة، جدباء. أنت لست فلّاحا ولا حاجة لك بمحراث. أنت هنا في جنان يافع، في حديقة منوّرة. فيها أزهار وكواكب وأنوار. أنت في الفردوس، على فراش مرفوع وبين يديك فاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة. جارتي هي جناني. هي بستاني. في البستان عنبر وإكليل وأقحوان. في العنبر طيب ورائحة فوّاحة. في الإكليل نضارة الحور وجمال الغلمان. مع جارتي، لا يلزم حرث ولا محراث. بفمي، بلساني، بأناملي، بكلّ جسمي وكياني أحرّك السواكن وأثمر الأرض غلالا وثمارا..

ها أنا أمسكها بلطف. أحتضنها برقّة. أنظر فيها وتنظر فيّ. أضمّها من الخلف ومن الأمام. أشمّ رائحتها الورديّة. أمسح شعرها الملقى على وجهها وكتفيها. أحكّ ظهرها بأناملي، بأظافري. أدلكه دلكا خفيفا، قويّا. أقبّل وجهها البهيّّ. أضمّ صدرها إليّ. أقطف ما فيه من ورد ورمّان. آكل ما فيه من ثمار وتفّاح. أحبّ العضّ على الثمار. أقضمها قضما خفيفا، قويّا. مع جارتي، أصبح فما كبيرا. أبتلع بنهم فمها، شفتيها ولسانها العسليّ. ثم أمشي إلى الذقن الشهيّ فالعنق البهيّ. بعدها، أنحني على الجسم. أنساب فيه كماء غير زلال. آخذ من كلّ بقعة قبلة ثمّ أعود أتمسّح لأقبّلها مرّات. أتركها ثمّ أعود إليها. آخذ بفمي هذه الزهرة وبيدي تلك الأخرى. أشمّها. أداعبها بأناملي، بشفتيّ. لن أترك من جارتي شيئا. أعود أدراجي. أنظر في البستان المزهرّ أمامي. آتيّ الجنان أركانه وزواياه. أرعى المقدّمة. أتقن المنهج والممارسة. أحرّك الحواس واحدا فآخر حتّى تأكل النار النار. كنت أقبّل شفتيها واحدة بواحدة. ثم الاثنتين معا وفي الشفاه حلاوة وعسل شهيّ. أبتلع الشفتين معا كما تبتلع السفن البحار. أعضّ على اللسان بلطف وفي اللسان رقّة ورضاب. ها هي جارتي مغمضة العينين. تتلوّى، في سلوى، في انتشاء. ها أنا أشدّ على النهدين بيديّ. آخذ منهما ما طاب وهاب. ألحسهما بلساني، بشفتيّ، بكلّ ما أوتيت من سبل وخيال. ثمّ، أعود أقبّل الجبين فالوجنتين فالنهدين. أمشي إلى البطن إلى الفخذين وما كان بينهما من نور قدسيّ. كنت لا أهدأ. لا أتوقّف. تمشي يميني ويساري طولا وعرضا، من الخلف ومن الأمام. يجب أن لا أضيّع من الجسم شيئا. بتمعّن، كنت أقبّل، أضمّ، أعضّ، أدلك، أمسح، أتمرّغ، ألحس، أشمّ، أبتلع، أشرب، آخذ من كلّ طرف نصيبا، من كلّ حديقة نورا وأزهارا. كذلك أظلّ سابحا في الفلك. أتفسّح في الجنان. أنظر في الشجر والأزهار. أمشي بين السواقي والهضاب...

تحبّ جارتي أن نبقى معا تحت اللحاف، في صمت، في التحام. تحبّ ما نأتي تحت اللحاف من لهو ومن لعب. تعشق جارتي الفواتح والخواتم وما بينهما من نعم وخيرات. هي تحبّ البقاء بين أحضاني. مطمئنّة. مغمضة العينين، غير نائمة، غير واعيّة، بين حلم وحياة، بين أرض وسماء. في سكينة، في انشراح. أحيانا، تفتح عينيها فتقول لي همسا، في أذني كلاما. أنظر فيها فأراها طيفا، ملاكا ينزل من السماء. في مقلتيها بعث وضياء. في جبينها خيط رقيق من الماء. في ثغرها ابتسامة الصباح. أنا وجارتي نحيا. نحن في الجنّة ننعم بالحبّ، بخير ما في الأرض من نعيم ووصال...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا