منبــــر: التشكيل بالتربيع المدور

حواجز خمسة تعترض سبيل تشكيل الحكومة:
1) البرلمان منقسم على نفسه ولم تبرز إلى حد الساعة أي إمكانية للالتقاء حول

أي قاسم مشترك فما بالك حول تكوين حكومة وبرنامج حكم.
2) قيس سعيد ليست لديه فقط احترازات على البرلمان لكن ايضا على الحزب الفائز الأول في الانتخابات التشريعية أي حركة النهضة، وهي احترازات متبادلة بين الطرفين، على أساس التنافس بين صنفين من المشروعية.
3) الأحزاب لا تنظر بعين الارتياح لإمكانية انتخابات تشريعية جديدة إضافة لكون النتائج الانتخابية، في صورة الاتفاق على دعوة الناخبين لها مجددا، ستكون قريبة من الموجود حاليا، نظرا لغياب إي تغيير نوعي في المشهد.
4) فرضية تكوين «حكومة مختصين من الإدارة والدولة على شاكلة اختيار المشيشي نفسه»، نظريا ممكنة، لكن يجب أن تبحث لها عن برنامج حكم ينبني على «مشتركات التناقض»، أي على «أقل ما في الحد الأدنى»، الذي سيكون رهيفا جدا، نظرا للتباين المشط بين الكتل، المتصارعة فيما بينها بشكل مفتوح وبلا حدود، أي ستكون حكومة غير بعيدة عن «حكومة تصريف أعمال»، لا تتقدم باي مبادرة إلا إذا تأكدت مسبقا بأنها لن تواجه أي اعتراض والأمر غير اليسير إن لم يكن مستحيلا.
5) فرضية تكوين حكومة تحظى بالأغلبية التي أظهرها التصويت الأخير على لائحة «الإعفاء»، أي أغلبية المائة وعشرون (120) نائبا التي تحصلت عليها النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس، فرضية ممكنة على الورق، لكن قد لا ترضي لا المشيشي، الذي يتحدث عن «حكومة تونسية» أي غير منحازة لأي شق سياسي، ولا قيس سعيد، الذي يخشى التغول والتطاول على سلطته كرئيس جمهورية من طرف أي حكومة سيكون فيها بالضرورة وزن مميز للنهضة.
قد تتوفر إمكانيات دستورية أخرى للتفاعل مع التطورات، منها مثلا عدم حل المجلس في صورة عدم التصويت على الحكومة وإبقاء حكومة تصريف الأعمال الحالية «إلى أجل غير مسمى»، وإن كانت فرضية ضعيفة لا لقصور الدستور وإنما لخوف الأحزاب من التهديد بحل المجلس في صورة عدم التصويت على ما سيقدمه المشيشي كحكومة، أو أي مبادرة رئاسية أخرى تنبني مثلا على مفهوم «الخطر الداهم الأقصى والاستثناء».
لكن الملاحظ من كل هذا هو الهروب من المجال «السياسي» واللجوء إلى «المجال النصي»، نسبة إلى نص الدستور. أي القبول والتسليم بأن السياسي بمعناه الديمقراطي والجمهوري ودور الأحزاب والمرور بأغلبيات الحكم وأقليات المعارضة والتنوع الفكري في التوجهات والاختلاف الطبيعي نظرا لتباين الرؤى والبرامج باختلاف المصالح والمرجعيات لتي تشق المجتمع، كل هذا المشروع الكبير المتعلق بتنظيم المجتمع بشكل حضاري يسمح بالتعايش رغم التمايز، كل هذا الحلم الذي راود التونسيين عقودا وحرموا منه نتيجة التسلط، سيصبح هباء منثورا، لماذا؟ لأنه قيل لهم أنهم لم ينجحوا في بناء الديمقراطية بالكيفية والسرعة المطلوبة! لكن من حدد مسبقا تلك الكيفية أو السرعة؟ لا أحد. لسبب بسيط وهو أنه لا أحد يعرف أو يعلم.
نعيش منحى في الظاهر يبحث عن الحل لكن في الجوهر يتفادى الإقرار بأن البناء الديمقراطي الجديد لا يزال في طريق الإنجاز وأن ما ينقصه ليس الدكاترة في العلوم الدستورية التي تتفنن في تفصيله وتكييفه كتعويض عن الأزمة الديمقراطية والسياسية وإنما فهم أسباب صعوبات البناء وتلافي النواقص والتمسك بالخط الديمقراطي بمعنى تنمية الأحزاب ودمقرطة الانتخابات وإحلال التكامل المتوازن بين السلط والكشف الصريح على صعوبة المرحلة وما تتطلبه من التزام وجدية ومثابرة وعزيمة لإنجاز ذاك البناء الصعب وشق تلك الطريق غير المريحة لأنه لا خيار عنهما.
الكل بدون استثناء يقر بأن التردي التونسي في الأزمة المؤسساتية والسياسية الحالية هو نتيجة انهيار النداء. لكن الفكر والعقلانية والحس الوطني الذي صنع النداء قادر على خلق المبادرات الشبيهة، دون أن تكون نسخة مطابقة للأصل. وما هو السر في صنع النداء، حتى نستنبط من وحي بعثه ونجاحاته العجيبة الأولى ما يمكن من تلافي ملتويات المأزق الحالي؟ يتمثل ذلك السر في خلق قاطرة سياسية، قادرة على جر مجمل المسار، تتسم ببعدين جوهريين: التنوع والوحدة. ومن ميزات القاطرة أن لها القوة الكافية للدفع بما يسمح أولا بتوفير القيادة السياسية للعملية الديمقراطية الوطنية، ثنايا بخلق الديناميكية المطلوبة وثالثا بتنسيب التناقضات بشكل يجعلها موجودة وحتى فاعلة لكنها عاجزة عن التعطيل.
وهكذا فما يفتقده المشهد السياسي الحالي وما يجعله في وضعية غير بعيدة عن الجنون يتمثل في غياب الأفق السياسي، الذي من المسلم به أنه يبنى على الإقرار بالتباينات الجوهرية التي تصبح كل يوم أوضح من ذي قبل و تتعلق أساسا بأمرين أولا محاولة فسخ تاريخ دولة الاستقلال المدنية والوطنية والاجتماعية والطعن في مكونات الشخصية التونسية الحديثة وثانيا التمحور الدولي الذي يضرب السيادة الوطنية في الصميم، لكن «التباين لا يكفي للبناء وإن كان صحيا وضروريا»، ويبقى الأهم هو التجميع الواسع كما قام به نداء تونس ونجح في ذلك أيما نجاح، لأن التجميع ينسب الباقي ويبقيه في حجمه المتواضع.
سيبقى المشهد يراوح في نفس المكان إذا تواصلت نفس الحلول التلفيقية والترقيعية، التي قد يفرضها الواقع المتردي جدا، لكن التصفيق، كما يقوم به كثير من الراسخين في علم الإصلاح الوطني وقدامى المعارك المصيرية التي نحتت العقل والجسم التونسي بخصوصياته الفريدة من نوعها مقارنة بكل البلدان الشبيهة التي حاولت دخول مراحل تاريخية جديدة وللأسف إما فشلت أو انهارت، التصفيق إذن غير مشترط للمساندة المطلقة لمن لا يحملون تاريخا سياسيا ولا ثقافة ولا فكرا ولا تجربة، ماعدا التعبير+ عن العجز، دون الاعتراف صراحة بذلك.
صفقوا وحدكم ما طاب لكم! طينتنا وأصلنا الفكري والسياسي يجعلنا من خارج صنف التصفيق!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا