كيف ستصبح تونس بعد تصويت 30 جويلية؟

التصويت بنعم أو لا على لائحة سحب الثقة من راشد الغنوشي في خصوص رئاسة البرلمان له بعدان. بعد أول يتعلق بوظيفة الرئاسة والنجاح والاخفاق الشخصي

في إدارتها. وبعد ثان له معنى سياسي أوسع، يهم الأحزاب السياسية والكتل النيابية وكيفية تسيير مجمل المرحلة النيابية وبأي اشكال ومحتويات، داخل البرلمان وخارجه، في علاقة بالمؤسسات الأخرى وبالخصوص رئاستي الجمهورية والحكومة.
ويمثل كل ما نعيشه منذ الانتخابات إلى اليوم تداعيات الانتخابات نفسها، وخصوصا ما قبل الانتخابات، والتشظي والانقسامات التي أدت في النهاية إلى فقدان كل الفرص والامكانيات لإبراز قيادة سياسية وطنية مقنعة، تتمكن من تسيير المرحلة في اتجاه تحقيق أهداف الثورة في استكمال إرساء مؤسسات الجمهورية الثانية وتكريس الاستقرار السياسي المطلوب لممارسة الحكم في صالح حل القضايا العالقة في دعم الأمن وتحصين السيادة وإصلاح القضاء وتحقيق التنمية وإعادة تنظيم دواليب الدولة على أساس النجاعة والشفافية والعدالة.
ولا شك أن وراء عملية محاولة إقالة راشد الغنوشي من موقع رئاسة البرلمان هدف سياسي، وقع التعبير عنه بكل وضوح من طرف المطالبين الأول بتلك الاستقالة، والذين يريدون التعبير من خلال ذلك على أن «كل البقية مهادنون لـ«الخوانجية إلا هم»، وبالتالي فإن كل العملية ستترجم سياسيا بانتصار حزبي للطرف الذي تمسك بالإقالة، وهو عمل سياسي مشروع. لكن السؤال المحير يرتبط بالبعد الوطني لذلك «الانتصار الحزبي». أي هل أن هناك علاقة بين -من جهة أولى- «الإطاحة» بالغنوشي -ومن جهة ثناية- بناء القيادة السياسية الجديدة للمرحلة النيابية؟ وعلى أي أساس يمكن أن تبنى تلك القيادة إذا ما استثنينا تحقيق هدف «الانتصار على الخوانجية» كما وقع التعبير عنه حصريا إلى حد الآن؟
وإذا أضفنا إلى ذلك أن هناك تمش رئاسي يعتبر مجمل المنظومة البرلمانية بكل ما تحتوي عليه من الأنواع والأشكال الحزبية، منظومة لا تستحق غير وضعها كلها، جملة دون تفصيل، «بين قوسين»، فسنجد أن الظرف السياسي التونسي لا زال حبيس عدة اعتبارات، لا أحد يدري إلى أين ستوصل مختلف تفاعلاتها.
الحل الأفضل والذي لم يتوفر، كان بيد النهضة عموما ورئيسها خصوصا. وذلك انطلاقا من المفارقة التي تجعل من النهضة انتخابيا على الموقع الأول الذي يؤهلها دستوريا إلى ترشيح نفسها للموقع القيادي في أمر الحكم، بينما سياسيا ومجتمعيا لا تحظى الحركة ب»القبول» كما يقال في اللغة الدارجة التونسية، أي بالحظوة التي تجعل الناس يقبلون منها هذا الدور القيادي في الحكم بما يلزم من الارتياح.
أي أن حركة النهضة لم تتفطن إلى حد هذه الساعة بأن الريادة الانتخابية التي تحصلت عليها في انتخابات 2019 لم تأت كتصويت لفائدتها، لتحمل المسؤولية الوطنية التي تصبو إليها، وإنما كنتيجة فراغ للفضاء المقابل، ذلك الذي احتله في وقت ما نداء تونس لكنه لم يحسن المحافظة عليه.
كان على حزب حركة النهضة الوقوف عند هذه المفارقة والتعامل معها بما يجب من التواضع والتبصر والخروج عن المنطق المشؤوم والخطير من نوع «إما نحكم أو الحرب الأهلية» وكأن «البلاد على قرنهم» كما يقال أيضا بدارجتنا التونسية.
أما المفارقة الأخرى فتتمثل في أن الذين يرشحون أنفسهم لقيادة المرحلة يعتبرون أن النداء فشل لأنه شرك النهضة، وقد كان ذلك للتذكير بكرسي وزاري أوحد لوزارة التشغيل في وضع متسم بالبطلة المجحفة! بينما ما غاب عنهم وسيبقى الأمر كذلك، أن مسألة بناء قيادة سياسية جديدة لمرحلة ما بعد الثورة، خارجة عن الإسلام السياسي، مهمة صعبة ومعقدة، تتطلب كثيرا من الانفتاح والتبصر والحكمة وتثمين دور دولة الاستقلال، مع الاعتراف بالنواقص الخطيرة لتلك التجربة الرائدة، كما تعترف بالثورة التونسية الديمقراطية الأصيلة، لكن تنبه لمخاطرها، وخاصة تلك المتأتية من جانب الاسلام السياسي، كما عبر عنه مؤخرا رشد الغنوشي بمناسبة عيد الجمهورية والتي نفى فيها مكاسب الدولة الوطنية ودور بورقيبة الثوري في الإصلاح المجتمعي والوطني.
من المؤكد أن هناك نشوتين منتظرتين ليوم 30 جيولية. إما «نشوة انتصار عبير موسي على الخوانجية» كما تعبر عن ذلك بكل صراحة ومنذ البداية مع تمسكها بأن ثورة تونس الجميلة، والأصيلة كما كان يقول الباجي قائد السبسي، «ثورة برويطة». أو «نشوة انتصار النهضة على عبير موسي ومن وراءها»، مع مواصلة اعتبار أن المرحلة البورقيبية من تاريخ البلاد مرحلة مظلمة.
في كلتا الحالتين سيعيدنا التصويت، مهما كانت نتائجه، إلى مسألة أخطر بكثير، ألا وهي: من هو الربان الذي بيده القيادة السياسية والقيادة في الحكم، تشريعيا وتنفيذيا؟
والجواب لا أحد. ومصلحة تونس في نفس الضياع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا