الإعـــــــــلام: في زمن الوبـــــــاء

وحيد السعفي
حتى يطمئنّ النقّاد، لا بدّ من الاعتراف بأنّي قليل المعرفة بالإعلام والاهتمام بالسياسة ومتابعة البرامج.

ألهاني عن ذلك الكتاب والكتابة وبعض شؤون الثقافة وتربية الكلاب. وإنّي أدرج الثقافة في كلّ شيء، وأنقد ما أحبّ لِلَفت النظر، وأتكلّم في الإعلام من خلال حصّة إذاعيّة واحدة وبرنامج تلفزيّ واحد، وألزم نفسي بذلك. أمّا البرامج الأخرى فغير معنية بمقولاتي، لقصوري عن الحديث عنها، ولها مستمعوها ومشاهدوها ونقّادها وليست في حاجة إليّ.
أمّا الحصّة الإذاعية فهي ميدي شو. وأمّا البرنامج التلفزي فهو تونس اليوم. وقد وقع عليهما اختياري جرّاء الصدفة والانطباع، وخضع تقييمي لهما لِمَا أُفيدُ منهما وما أنتظره، وفي ذلك من الذاتية نصيب. وسأتكلّم عنهما هنا في زمنيْن اثنيْن: زمن ما قبل الوباء وزمن الوباء.

1 - الزمن ما قبل الوباء:
أنا لا أعرف مريم بلقاضي ولا إلياس الغربي ولا بوبكر بن عكاشة قبله. ولكنّ شيئًا ربط بيني وبينهم وقرّبهم إليّ، فيه شيء من الاحترام والتقدير، وحتّى الحبّ للسيدة مريم. أقول ذلك ولا حَرَجَ، فأنا لا أعرفهم وكلامي فيهم مجرّد صورة لا يجب أنْ يُثير ثورة ثائر. وهم يمتازون بالحرفية وحذق المهنة وحُسن اختيار المواضيع والتقديم وإدارة الحوار. وقد لبّى البرنامجان حاجتي إلى الإلمام بما يكفيني من الأخبار، ووفّرا عليّ البحث في فضاءات أخرى. فالبرنامجان يعتمدان الاختصار في تقديم المعلومات وإبداء الرأي فيها ولفت النظر إليها. وهذا في حدّ ذاته كسب، في زمن يشكو فيه الإعلام الطول والإطناب.
وقد جُعل البرنامجان للاجتماع والسياسة، فوجدتُ فيهما ما يكفيني في هذا الباب الذي أنا مُقلّ فيه بطبعي، وكثيراً ما أكتفي فيه بما يقول زياد كريشان الذي يتوخّى طريقة الإفهام في الدرس، فأفهم، ويُقدّم الأشياء بطريقة تدلّ على علمه بالأمور، ويطرح ما يجب من أسئلة، ويقدّم أحياناً الحلول. فأشعر بالاطمئنان. وأشعر بالمتعة في عرض هيثم المكّي للصحافة، كما سيأتي في ذلك البيان.

وكان في البرنامجيْن نصيبٌ من الثقافة والإخبار عن شؤونها. وقد وثّق هذا صلتي بهما. ولكنّ الثقافة تقلّصت شيئاً فشيئاً من ميدي شو، فغاب المقدّم/كرونيكور الخاص بها، وأصبحت خبراً ثانويا أو دعوة مختصّ أو كاتب أو فنّان أو شبه ذلك. أمّا برنامج تونس اليوم فحافظ على نصيب أكبر من الثقافة، من خلال الحديث عنها ودعوة الفنانين والمنتجين والكتّاب للحوار وعرض الكتب، وإنْ في ظلّ الانتقاء واختيار الوجهة. وكان لطفي العماري يُضفي على البرنامج صبغة خاصّة لمعرفته بشؤون الثقافة وبمشاكل الفنّانين وشركات الإنتاج، فيلفت النظر إلى الأشياء ويُدافع عن القضايا بإصرار، فأشعر بالراحة في ما يقول، وأشعر أنّه يتكلّم عن دراية.

2 – زمن الوباء:
ثمّ جاء الوباء، فكان فتّاكاً بالفئات الضعيفة الهشّة، والوزارات الضعيفة الهشة، وأظنّه فتّاكاً بالإعلام أيضاً. فقد أثّر في البرنامجيْن، واقتصر الحديث فيهما على الفيروس الخبيث القاتل والمتدخّلين فيه والمختصّين وأشباه المختصّين والمتطوّعين ومُغتنمي الفرص. وهذا هامّ في حدّ ذاته، فالتوعية الصحّية ضرورية ونافعة. ولكنّ كثرة الإعلام في الوباء لا تقتل الوباء بل الإعلام. وبدا الجري وراء الأخبار شبيهاً بالهلع إلى اقتناء مواد الغذاء. وخلّف الإفراط في البحث عن المعلومة التعب وتغيّر الأحوال. وقد ظهر ذلك في وجه مريم بلقاضي، وبدا عليها شيء من الارتباك والخوف من المستقبل، وكانت من قبلُ رصينة أنيقة باسمة. وازداد الصراخ ورفع الأصوات والصياح في برنامجها. وهذا فيه عنف يُشعر بالاغتصاب. فَرفقاً بالآذان الصاغية! وغابت مايا القصوري إلاّ قليلاً، فافتقدناها، وافتقدنا شدّتها التي تُظهرها ويخونها في ذلك اللطف والابتسام وحتى الخجل أحياناً. وأصاب التغيير إلياس الغربي ووصل حدّ الغضب، واعترف هو نفسه بذلك، وأصبح يشكّ في كلّ خبر، فازدادت الحكومة الهشّة في كلامه هشاشة. ولولا محاولات زياد كريشان في التعديل والتنسيب لفقدتُ الاطمئنان.
وقد غابت الثقافة في البرنامجيْن بالكلّية، ولولا هيثم المكّي لظننتُ أنّا فقدنا الثقافة إلى الأبد. فهو ما زال يستعمل الفَكَهَ في الكلام، والفَكَهُ أصل الثقافة، يُستعمل في القصّ الذي جُعل للمتعة. وما زال يقول الأشياء على علاّتها ضارباً ما تقتضيه آداب التحفّظ في الإعلام، رغم محاولات العدول به عن تلك الطريق. وما زال يتكلّم رغم غياب الصّحف، ولم يُسكت الكوفيد التاسع عشر صوتَه.

أطاح الوباء بكلّ هشّ، وسقطت الثقافة في بؤرة النسيان، رغم أنّ هناك مواضيع فيها تصلح لتكون مادّة في زمن الوباء. من ذلك: ماذا يفعل يوسف الصدّيق الآن يا تُرى؟ وكيف تعيش مراكز الفنون الدرامية التي تمّ تعميمها في الولايات، وكيف تقتات؟ وهل توقّف وضع الفضلات في حدائق الفنون زمن الحجر والحظر؟ وهل مدّ المسرح الوطني يد المساعدة إلى المسارح التي باتت على الطوى؟ وما هي الفلسفة من وراء حساب دفع الحياة الثقافية؟ ومتى تشتري الدولة الأفلام التونسية الجديدة وتُهديها إلى المتفرّجين عبر القنوات، دعماً للسينما في الشهر العظيم، ووقفاً للصراع الذي نشب حول المسلسلات؟ وهل باع الموزّع الذي اختار البيع عبر الانترنات الكتب؟ وهل اتّصل الناس بالكتب التي اشتروها؟ وهل يكتب الشعراء والكتّاب، ويرسم الرسّامون، في هذا الزمن اللقيط، أم توقّفوا عن الإبداع؟ ومَنْ سيساهم من الفنّانين في الحفل الساهر الذي ستبثّه القنوات ليلة رمضان للتضامن؟ وهناك أسئلة أخرى تصلح أنْ تكون محلّ عناية الإعلام في زمن حضرة الكوفيد التاسع عشر.
أعرف أنّ الحديث في الثقافة زمن الوباء من باب الهُراء، ولعلّه كذلك في كل زمن. ولكنّ هذا صوتي وإنْ كان نشازاً. وقديماً قالت الحكماء: مَنْ أسكت صوتاً بغير حقّ فكأنّما أسكت الناس جميعاً.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا