التونسيون من وباء الى آخر بعد الانتصار على الكوليرا واجب المشاركة اليوم في الحرب على الكورونة

حبيب القزدغلي - أستاذ جامعي في التاريخ المعاصر

اكتسحت صفحات التواصل الاجتماعي منذ أسبوع التعاليق حول سلوك التونسيين وكيفية تعاطيهم مع وباء الكورونة وكذلك الأمر بالنسبة للخطاب الأول للسيد الياس الفخفاخ

رئيس الحكومة حول الموضوع . وبعيدا عن التسرع في تقييم الخطوات التي قامت أو ستقوم بها السلط الرسمية لدرء الخطر الداهم الذي لا يمكن لأحد الجزم او التكهن بحجمه ورقعة اتساعه فالأساس في العملية هو الوقاية واحترام التعليمات الصادرة والمساهمة كل من موقعه في حماية بلادنا من الخطر المحدق بها. و من الواضح أن السلط تتعاطى مع الحدث معتمدة قبل كل شيء على آراء وخبرات أهل المهنة من أطباء وخبراء كما أن عملها لم يخل من قدر من البراغماتية والسلاسة التي اعتبرها بعض الملاحظين وكانها تحرك بأيادي مرتعشة وطالبوها بمزيد الحزم في تطبيق القانون وفق ظروف الحرب. ما يهمنا هنا هو متابعة سلوكات التونسيين اليوم امام هذا الخطر ومقارنتها بسلوكات أسلافهم بالأمس هدفنا في ذلك إبراز الثابت والمتحول فيها وكذلك مقارنتها بالمواقف التي يتم التعبير عنها في بلدان عديدة خاصة الأوروبية منها بعد أن اصبح وباء الكورونة جائحة عالمية عمت كافة القارات والبلدان ولم تعد مقتصرة على الصين كما بدا الأمر في الأسابيع الأولى.

الثابت والمتحول في سلوكات التونسيين بين الأمس واليوم

من البديهي القول أن المقارنة لا تصح إلا بتوفر عناصر التشابه بين الظواهر المعنية بالمقارنة . فوباء الكورونة الذي اجتاح البلاد هذه الأيام قادما من ايطاليا هو ألأقرب من حيث المقارنة مع وباء الكوليرا الذي ظهر في الايالة التونسية بداية من الأحد 16 محرم من سنة 1266 هجري (2 ديسمبر 1849) . يذكر أحمد بن أبي الضياف في كتاب الاتحاف أن تعبير الكوليرا هو الاسم الذي أعطاه "أطباء ألافرنج " لهذا الوباء اما في بلاد الحجاز فكان يعبر عنه حينئذ بالريح الأصفر الذي " لم يتقدم مثله في هذا القطر" من حيث عدد الوفايات التي حصلت من جرائه. وكما هو الحال اليوم بالنسبة للكورونة لم يكن حينئذ اي دواء متوفر لمجابهة الكوليرا عند حلولها وظهورها بالبلاد . أن وجود أوجه التشابه هذه ستسهل علينا عملية مقارنة سلوكات التونسيين في هذين العهدين رغم تباعدهما في الزمن.
نجد بين الأمس واليوم أوجه شبه عديدة من حيث انتشار مظاهر ضعف الوعي بخطورة الوباء وهو ما تجلى في السلوك الغير مسؤول الذي صدر في شهر جانفي الماضي من قبل اعضاء المجلس البلدي بمدينة سليمان أو المجلس البلدي بجبل الوسط عندما رفضا كل منهما حتى مجرد التفكير في تخصيص أماكن حجر صحي تكون مراقبة من طرف مختصين في المجال الوبائي. هكذا تراوحت المواقف الحالية بين الأنانية المفرطة و الاستسلام للقدر المحتوم التي قد توحي بها مواصلة التجمعات في الأسواق وفي بعض المقاهي وفي تنظيم الأفراح أو اقامة الصلوات الجماعية أمام بعض المساجد حتى بعد أن تم غلقها الخ ...أما بالأمس فقد ذهب البعض الى اعتبار "أن الصبر أنفع الذخائر " وقال بعضهم "أن التحفظ بالكرنتينة (الحجر الصحي) لم يكن في الملة الاسلامية وهي من اختراع الأمم الافرنجية فنحن أدرى بكيفيتها" وصولا الى النقاش والمجادلة بين فقهاء العصر حول مدى اعتبار "ميت الوباء شهيدا"الخ...
رغم ما بدا في ماضي البلاد من مظاهر سلبية ولا يزال بعضها متواصلا الى اليوم ما يمكن الجزم به و اثباته عبر الوثائق والشهادات ان لتونس دولة كانت تنطلق في تحديد سياساتها الداخلية والخارجية - خاصة منذ عهد حمودة باشا الحسيني - بالاعتماد على مبدأ "المصلحة" حتى وان لم تخل تلك السياسة من بعض التناقضات في استئناسها بهذه الفكرة . في عهد المشير أحمد باي الذي ظهر فيه الكوليرا اعتمد القائمون على الدولة حينئذ خطة عقلانية لمجابهة الوباء . نراهم يتابعون نقطة انطلاق الآفة ويهتمون بمكان ظهورها والجهات التي انتشر فيها ويحرصون للحيلولة دون بلوغها مناطق أخرى. لقد أخذت الدولة حينئذ بآراء الأطباء حين أشاروا عليها بضرورة "التحفظ من وصوله (الوباء) الى الحاضرة بمنع الخلطة" فكان من الباي: " أن أمر لواء عسكر الخيالة أبا العباس أن يرتب عسة من العسكر تمنع القادمين من باجة (مكان ظهور الوباء وانتشاره) ونواحيها الى الحاضرة".
ومعلوم أن اجراء الكرنتينة (الحجر الصحي) - رغم النقد الذي قيل فيه من طرف أهل النقل - فقد سبق ان اعتمدته الدولة التونسية تجاه زائريها من التجار والسياح الأجانب حتى قبل ظهور وباء الكوليرا. ففي بداية زيارة الباي الى فرنسا يوم 05 نوفمبر 1846 جاء اميرال الاسطول بمدينة طولون ليعتذر عن عادة الكرنتينة فقال له المشير أحمد باي " لا تعب عندي فيها ، لأني أحكم بها في بلادي والإنسان يحكم على نفسه بمثل ما يحكم به على غيره". وفي سنة 1850 بعد ظهور وباء الكوليرا وانتشاره بين فقراء اليهود " و لما اشتد عليهم خطبه...أحضر لهم (الباي) قشلة سوق الوزر ونقل اليها المرضى وأجرى عليهم الجرايات الواسعة . وتطوع لمداواة الفقراء الطبيب مصكرو الصبنيولي وله بذلك يد حسنة في البلاد اقتضت مزيد حبه". ولمجابهة الوباء كانت الدولة حاضرة عبر اعتماد الأطباء حيث "جعلهم (الباي) بربضي المدينة (باب سويقة وباب الجديد) وصرف في هذه الشدة أموالا عظيمة مع طعام وكسوة للفقراء من أي ملة ويأتيه كل يوم عدد من مات بالحاضرة".
ورغم ما اتخذه أحمد باي من قرارات للتخفيف من وطأة الوباء فان تمسكه باجراءات التحفظ وتنقله من مكان لآخر خوفا من العدوى وامتناعه من حضور صلاة المولد تجنبا للخلطة ومع "أمره بالزيت لمآذن البلاد" فانه لم يسلم هو نفسه من تسريب الشائعات (الفايك نيوز حاليا) . ويذكر ابن أبي الضياف أنه وقع "الارجاف بأنه (الباي) سافر من المملكة خفية وأبقي ختمه بيد وزيره أبي النخبة مصطفى خزنة دار". ولمجابهة مثل هذه الأخبار المغرضة " صار يخرج (الباي) بعض الأيام أمام القصر وربما يصل الى قرب أخبية العسكر لتراه الناس".

هكذا تصرف التونسيون بالأمس كما هو شأنهم اليوم أمام المصائب والأوبئة وقد اضطر حكامهم أحيانا و مع انتصارهم لمبدأ "المصلحة" والقيام بما يفرضه العقل والعلم في مجابهة الوباء الى المراوحة ومجاراة الشعور العام المشدود الى العادة قبل المصلحة . من ذلك أنه لما " اشتد حال المرض ومات بسببه في الحاضرة أكثر من مائتين في اليوم " يذكر بن ضياف أن العالم الفقيه القاضي الحنفي محمد بن حسين بيرم أشار بجمع أربعين شريفا اسمهم محمد في جامع الزيتونة لقراءة سورة يس أربعين مرة فلم يمانع الباي في ذلك. هذه أمثلة من الاجراءات المتخذة لمجابهة الأوبئة : زمن الكوليرا وزمن الكورونة تؤكد انخراط الدولة التونسية ورجالاتها في مدار الحداثة والتعصير بالاعتماد على فكرة المصلحة . وإذا كان من الطبيعي أن يتسابق أصحاب العقل وأهل العلم لنشر معارفهم والاستئناس بما علموه من تجارب غيرهم ،حتى وان كانوا من الافرنج ، خدمة لصحة أهلها وجميع القاطنين بها فلا غرابة أن يتعرضوا بالأمس كما هو الحال اليوم الى التجريح وصولا الى التكفير من الذين بقوا متمسكين بالنقل الجامد للنصوص دون أي اجتهاد بدعوى الاقتداء بعمل السلف الصالح. ولكن يبقى من المهم أن نبحث في الأسباب التي تفسر سلوك بعض التونسيين اليوم والمتسم بقلة الوعي بأخطار الوباء ومقارنتها بما تم تسجيله من مظاهر مشابهة لذلك في عدة بلدان اكتسحها بدرجات متفاوتة وباء الكورونة والبعض منها وصل الى درجات أخطر من حالتنا.

في مقارنة سلوكات التونسيين بغيرهم وحتمية المشاركة في الحرب على الكورونة

نقلت وسائل الاعلام في الأيام ألأخيرة مشاهد من فرنسا ومن ايطاليا وفي عدة بلدان أخرى متضررة هي أيضا من وباء الكورونة وقد لفت انتباه المتابعين وجود تشابه بين تلك السلوكات وقربها لما نشاهده حولنا من لهفة على تجميع المؤونة بجميع أنواعها وأدوات النظافة وخاصة الكمامات . كما تمت ملاحظة باستغراب ما حصل من تجمعات على الشواطئ في جنوب فرنسا وساحات العديد من مدنها يوم الأحد 15 مارس الماضي نظرا لتميز طقس ذلك اليوم بطابعه الربيعي دون تفكير فيما يمكن أن ينجر عن ذلك من أخطار العدوى وانتشار المرض. فهل يمكن ارجاع كل هذه السلوكات الى قلة الوعي وحب الاضرار بالآخر ؟ هل يمكن فقط تفسير تلك مظاهر الاستهتار بالاعتقاد السائد لدى البعض منا في حتمية الاحتكام الى القضاء والقدر؟

في هذا الاطار تفاجأ العديد من الملاحظين من الموقف الغير مسؤول الذي تميز به خطاب الرئيس ترومب حول الكورونة والذي اعتبر فيه أنه لا يمكن المساس بالنموذج الأمريكي من طرف أي كان ورأى أن الحل الأول لمجابهة الوباء يكمن في غلق حدود بلاده مع كافة بلدان العالم وخاصة مع بلدان الاتحاد الأوروبي مستثنيا في البداية كلا من انقلترا وايرلندا لكن سرعان ما تراجع وشملهم الغلق أيضا. ان ما يزيد الأمر غرابة هو ما تم التشهير به من طرف المستشارة الألمانية مركيل حين قامت بفضح رغبة الرئيس الأمريكي الجامحة في توظيف كميات هامة من المال للسطو على نتائج أبحاث مخابر ألمانية قصد الاستفادة منها في أمريكا أولا و كأن لسان حاله يقول أن الأمريكي هو الانسان الأفضل على الأرض . عكس الامتعاض من هذه السلوكات والتنديد بها رفضا أخلاقيا واغتاض الرأي العام الدولي من أن يصدر مثل هذا الموقف عن رئيس أول قوة اقتصادية عالمية كان حري بها أن تضع قوتها في خدمة الانسانية . ان هذه المكانة تحملها مسؤولية اضافية في الدفاع عن القيم الانسانية ودرء المخاطر المنجرة عن وصول وباء الكورونة الى مرحلة الجائحة العالمية. ان التفكير الانعزالي والجشع من طرف أول دولة كبرى قد يشجع بعض الدول الأخرى وخاصة الغير ديمقراطية منها الى اتخاذ سلوكات انفرادية قد تفتح الباب للسياسات المغامرة والى اعتماد قانون الغاب في العلاقات الدولية في الوقت الذي يتطلب فيه الأمر من الجميع مزيدا من التضامن بين الدول. ومن حسن الحظ أن كلا المترشحين الى الانتخابات الأمريكية القادمة – وهما من الحزب الديمقراطي- عبرا عن رفضهما لهذه السياسة الخرقاء التي يسلكها الرئيس ترامب في مجابهة وباء الكورونة. ومهما يكن من أمر فان الموقف الرسمي الأمريكي بمناسبة مجابهة وباء الكورونة سيعمق الاعتقاد لدى التونسيين وغيرهم بأن القوة ألأمريكية لن تكون في خدمة الحضارة العالمية كما بشرت بذلك الحداثة الأوروبية وإنما هي في صالح المنتمين للنموذج الأمريكي.

كما أن التشابه بين تهافت التونسيين على المساحات التجارية وما نلاحظه عبر عدة فضائيات من حصول نفس اللهفة في عديد البلدان الأوروبية يدل على أننا أمام ظاهرة دفاعية بشرية عابرة للمجتمعات . لقد سبق أن برزت مثل هذه الظواهر في سياق الحرب الباردة في ستينات القرن الماضي وتجسدت حينئذ في رغبة جامحة في "حب البقاء" survivalisme أمام خطر الابادة الذي كان يمثله السباق النووي . وقد أكدت الفيلسفوفة الفرنسية سينتا فلوري مؤخرا عودة مثل هذا السلوك للظهور بمناسبة أزمة الكورونة . وهي ترى أن الزحف نحو الفضاءات التجارية و كذلك تجمع عدد كبير في الشوارع والشواطئ في المدن الفرنسية في يوم الانتخابات دون الأقبال على صناديق الاقتراع . كما يمكن ادراج في نفس هذا الاطار ما تمت ملاحظته في تونس من اقامة حفلات راقصة في ملهى ليلي في منتصف النهار وتواصل اقمة الأفراح والصلوات الجماعية رغم قرارات المنع الخ... يمكن قراءة هذه الظواهر باعتبارها نوع من التحضير "الخيالي واللاواعي " للصمود أمام خطر الفناء الداهم الذي أصبح البعض يعيش على وقعه معتبرا أن في هذا السلوك تحضير لولادة جديدة ستتم بعد مرور الزلزال ولا بد من الاستعداد لها من الآن . فالخوف الفطري يولد أنانية مفرطة لدى الانسان واعتبار أن "الآخر هو الجحيم ".

أما الملاحظة الأخيرة التي نوردها في معرض محاولة تفسير ردود الأفعال التي ظهرت عندنا ولدى غيرها فهي تنطلق مما جاء في كلمة السيد الياس الفخفاخ في سهرة الاثنين 16 مارس حين نبه الى أنه في صورة عدم التزام التونسيين بالإجراءات التي تم اتخاذها حين قال " فعوض أن يكون العدد بالمئات في الأسبوع المقبل وسيلقون العلاج وإلا عدد المصابين سيكون بالآلاف". و لا شك أن في ذلك اشارة للوضع الكارثي الذي باتت تعيشه اليوم ايطاليا وهي القوة ألاقتصادية التاسعة في العالم حيث أمام تفاقم الظاهرة والعجز عن توفير العدد الكافي من معدات الانعاش الضرورية يبدو أن السياسة العلاجية باتت تعتمد مبدأ الاولوية priorisation التي تقوم على اعطاء الأولوية للشباب في المعالجة.

اضافة للدعوة للالتزام بجميع ما تعلنه السلطات السياسية في بلادنا من اجراءات والتي يتحتم على كل التونسيات والتونسيين التقيد الصارم بها واحترامها بالرغم مما قد نرى فيها من حد مؤقت لحريا تنا الفردية والبعض من عاداتنا. علينا ايضا واجب تحية جنودنا البواسل من أطباء وكامل الطاقم الاستشفائي الواقفين في الصفوف الأمامية في هذه الحرب على الكورونة. كما يتحتم علينا كمثقفين ومنتجي أفكار - كل من موقعه - المساهمة بقسطنا في هذه الحرب التي باتت كونية ضد هذا العدو الخفي المهدد لحياتنا وللبشرية . ندعو الجميع الى تحمل مسؤولياتهم والقيام بدور نشيط في نشر الوعي بمخاطر هذا الوباء وتفكيك كل الظواهر المجتمعية وردود الفعل البشرية التي رافقت ماضيا وحاضرا ظهور مثل هاته الآفات واستخلاص كامل الدروس من التجارب الماضية بالاعتماد على الطرق العلمية والعملية التي وقع انتهاجها في بلادنا وفي العالم لدحر هذه الآفة الجديدة والانتصار عليها مثلما حققت الانسانية في الماضي انتصارات رائعة على الكوليرا والطاعون وعلى الكلب والجدري وغيرها من الآفات .

حبيب القزدغلي
تونس في 17 مارس 2020

 

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا