منبر: مرشح «الأمانة» الاصلاحية وليس «توافق» المصالح

طارق الكحلاوي
تمر البلاد امام مفترق تاريخي تتنازعها فيه اتجاهات متباينة بل حتى التناقض. واصبح مقود الاتجاه التاريخي لبلادنا اساسا وخاصة في ايدي الرئيس قيس سعيد.

هناك من يريد ان يعيدنا الى محطة «توافق» شكلي يسمح بـ«تعايش» مصلحي متبادل بدون افق اصلاحي، واخرون يذهبون الى افق «صدامي» راديكالي يخوض منازلة مفتوحة مع «السيستام» بكافة مكوناته، وافق ثالث لنسميه «اصلاحي» بالمعنى الايجابي يفتح الملفات ويحقق مكاسب بدون صدام «وجودي» مع المنظومة. اسم رئيس الحكومة وهويته وخلفيته سيحدد أيّا من الاتجاهات التي ستذهب اليها البلاد. وكل ذلك سيحدده الرئيس. وبمعنى اخر نحن عمليا واساسا امام وضع يمكن ان يفرز عمليا نهاية مرحلة وبداية اخرى، وحيث الرئيس عمليا هو قائد السفينة بدون شريك اساسي. وفي كل الحالتين نحن ازاء صراع بين مقولتين، مقولة الرئيس ان البلاد «امانة» ويجب فعل ما يجب فعله لمصلحتها حتى لو اقتضى الامر اجراءات راديكالية، ومقولة «التوافق» التي صاغتها «منظومة الشيخين»، مع اضافة نبيل القروي كبديل عن الراحل قائد السبسي.

سقوط الحبيب الجملي وعودة مقولة «التوافق» الشكلي
أيام قليلة قبل سقوط حكومة الجملي الى يوم الخميس وجدت الساحة السياسية نفسها في خضم سباق ضد الزمن. كان الاشكال مزدوجا: الحبيب الجملي اهترأ وخسر اي رصيد للانطلاق في الحكم قبل ان يحكم لاسباب ذاتية وموضوعية ولم يعد من مصلحة البلاد ان تمر حكومته، في المقابل سقوطه يمكن ان يطلق العنان للسيناريو المعد سلفا منذ الصيف والذي اشرت اليه مرارا، اتفاق 7 اوت، اي تحالف مركزي يتمحور حول النهضة وقلب تونس. كان الوضع يتطلب مقاربة تسمح بضمان عدم مرور الحكومة، مع قطع الطريق امام استعادة الاتفاق بين رئيس حركة النهضة ونبيل القروي لتنصيب مرشح مشترك لرئاسة الحكومة، قريب من منظومة ما قبل الثورة تحت عنوان

«توافق» نسخة 2.
تم التفكير في تصور يتمثل اساسا في توفير الظروف لمصلحة مشتركة بين اطراف متداخلة للانتهاء من «سيناريو الجملي» خاصة اثر توظيف بعض المجموعات داخل حركة النهضة للجملي لتمرير مرشحيهم وحذف مرشحي رئيس الحركة من القائمة النهائية، ومن ثمة ايضا حذف تعديل وضعية مرشحي نبيل القروي. قبل ايام قليلة من عرض حكومة الجملي على الثقة البرلمانية وجد رئيس الحركة نفسه ونبيل القروي في موقع مشترك مجددا، وكان من الطبيعي بأن يفكر خارج الصندوق (انظر مقالي السابق من اجل مزيد من التفاصيل: «الشيخ وسيندروم الشاهد»). اضافة الى ذلك حدث تقاطع مع عدد من الاطراف السياسية التي لم تكن موافقة على حكومة الجملي لاعتبارات مختلفة واحيانا متناقضة. لكن التقييم العام ان الجملي اهترأ وتقريبا انتهى وسيدخل للحكم ضعيفا قبل حتى ان يبدأ. وان مروره لن يكون ذا معنى اذ انه سيفتقد مباشرة بعد مناورات منح الثقة و«اختراقاتها» الى حزام سياسي مستقر وثابت، وحد ادنى من الثقة الجماعية السياسية.
حدثت اتصالات قبل مجلس الشورى يوم الاربعاء لتشجيع رئيس الحركة على سيناريو بديل يتم الاتفاق فيه مع الرئيس على رئيس حكومة بديل يضمن حزاما جديا. وهو ما عبر عنه في الاجتماع، اذ اكد ان الجملي لم يستطع خلق حزام سياسي. لكن في المقابل كل من «تورط» من الحركة في توظيف الجملي في اعادة التموقع وتمرير الاسماء الموالية في قائمته دافع عن امكانية «اختراق» بقية الكتل وتحصيل الاغلبية المطلقة. وهكذا انجر «الشورى» الى هذا الخيار.

اشتغلت مكينة «قلب تونس»، خاصة القروي في مواجهة مؤثرات اخرى مثل فاضل عبد الكافي ورضا شرف الدين الاقرب لدعم الجملي، ليس فقط من اجل اسقاط الجملي (الذريعة المعلنة كانت تعويض وزير الداخلية المقترح سفيان السليطي واعادة سفيان الصيد)، بل ايضا تشكيل جبهة واسعة حول صورة القروي والتزعم الفعلي لـ«العائلة العصرية...الخ». تم الحديث حتى عن «اتفاق مكتوب» بين القروي والشاهد (خيارات «تحيا تونس فيما بعد اكدت عدم وجود حلف وثيق بينهما حتى الان).

في المقابل كان رئيس الحركة يعتبر سقوط الجملي عودة المقود اليه. وكان من الواضح ان كلمة سر فيما بعد الجملي هي «العودة الى التوافق». وعلى هذا الاساس حصل جهد، اخترت ان اكون فيه، من اجل استباق ذلك بطرح فكرة رئيس حكومة لا يتم اختياره من الثنائي شيخ/القروي بل من حزام فيه الشيخ والتيار والرئيس ومن ثمة بقية الاطراف الاربعة التي توقفت المفاوضات بينها فيما بعد. وعليه حصل لقاء امين عام التيار محمد عبو مع الشيخ يوم 13 نوفمبر الماضي. واوضح النقاش اننا ازاء تصورين لـ«التوافق». التوافق كما كان ماضيا، اي الشكلي غير القادر على الاداء والاصلاح ويتمركز فقط حول مصلحة متبادلة، النهضة وهاجسها في محاصرة «الاستئصال» و»عزله (اي خاصة عبير موسي) والتموقع اكثر في الدولة، مقابل هاجس نبيل القروي في ردم الملف القضائي والتطبيع مع المشهد السياسي وتزعم «العائلة العصرية.. الخ». في المقابل تم طرح تصور اخر لـ«لتوافق» يدور حول اختراق المنظمة في مستوى «تحيا تونس»، ربما لاحقا بعض اوساط «قلب تونس»، لكن اختيار رئيس الحكومة، القطعة المفتاح، يجب ان يبقى ضمن مسار الاصلاح الجدي. وتم التأكيد على الشيخ ان «محاصرة وعزل الاستئصال» يكون بالقيام باصلاحات وتقديم خدمات للناس وتحقيق مصالحهم فذلك هو الترياق الانجع ضد امثال موسي.

في النهاية اختار رئيس الحركة، خاصة بحلول يوم الخميس، «التوافق» الشكلي والعودة اساسا الى مفردات 7 اوت، الاتفاق اخيرا على من تم ترشيحه منذ ذلك الوقت اي فاضل عبد الكافي. بمعنى اخر عمليا تزعم نبيل القروي للحكومة. غير ان هذه الصفقة تجاهلت وضع الرئيس، وتعمدت بقصد او غيره استفزازه، وتناسب انه اصبح صاحب الكلمة الفصل، حتى ضمن الاطر الضيقة للدستور.

الرئيس وخياراته الممكنة
لا يمكن ان نتكهن بدقة حول الخيارات الممكنة لقيس سعيد سواء في اطار القائمة المطروحة او خارجها، والاهم ليس الأسماء بل الخيارات السياسية التي يمكن ان تؤشر عليها هذه الاسماء. نحن نظريا (وليس بالضرورة من زاوية نظر قيس سعيد) امام ثلاثة خيارات، اما استعادة وضع «التوافق» الشكلي (ومن ثمة مرشحين من نوع فاضل عبد الكافي ورضا بن مصباح)، او وضع «التوافق» من اجل الاصلاح وتهميش وضع «قلب تونس» (مرشحين من امثال الياس الفخفاخ والمنجي مرزوق)، او وضع حكومة راديكالية في صدام مع السيستام بمكوناته المختلفة.

صحيح ان قيس سيعد لا يحمل تاريخا في المواجهة المفتوحة. لكنه من الصعب ان يضع على ظهره عبئ تحمل اسم اما عمل مع بن علي وزيرا (رضا بن مصباح) او مرتبط بغريمه المباشر المتعلقة به قضايا امن قومي وتهرب ضريبي اي صديق نبيل القروي (الفاضل عبد الكافي). الارجح ان قيس سعيد اقرب لاحد الخيارين الاخرين.
وهنا نحن ازاء وضعية صعبة ومعقدة. ان ذهب في خيار «التوافق» الاصلاحي (يتضمن مرشحين من القائمة او حتى خارج القائمة ممن تم تداول اسمائهم لكن لم تتضمنهم اي قائمة) وبالتالي ترك شعرة معاوية مع المنظومة الحزبية، يمكن ان يضمن قدرا معينا من الجرعات الاصلاحية التي يحتاجها كرئيس معني بتحقيق مكاسب لكن سيبقى متعايشا مع المشهد الحزبي التقليدي الذي اعلن وفاته، وان ذهب في خيار مرشح خارج المنظومة تماما (من بعض المرشحين عماد الدايمي او سهام بن سدرين، او خارجها تماما من دائرة الثقة الخاصة به والتي تتضمن شخصيات معروفة او غير معروفة) فسيعني ذلك توجها صداميا مع المنظومة بكاملها الحزبية بانواعها ومن ثمة احتمال صدام كامل مع قيس سعيد يمكن ان يصل بشكل غير محسوب الى اعادة الانتخابات، لكنها تؤسس في المقابل لتصوره المتضمن ان المشهد القائم في حالة وفاة سريرية وبالتالي يجب المرور فورا لـ«التأسيس الجديد».

الاختيار صعب. لكن في كل الحالات يعني عمليا وبفضل التطبيق غير المسبوق للمطة الثانية من الفصل 89 اننا ازاء مساءلة شاملة للنظام السياسي وافق يمكن ان يجعلنا امام فرز كامل للاوراق، وحتى انتخابات جديدة، من المستفيدين منها «راديكاليون» من نوع مثلا عبير موسي التي بصدد تسجيل نقاط في الفترة الاخيرة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا