جدل حول صلاحيات الرئيس: نريد رئيسا يوقظ الحلم و يزرع الأمل لدى التونسيين: « شغور منصب رئيس الدولة أزمة وطنية وشغور رئاسة الحكومة أزمة حكومية»

بقلم: عبد المجيد المسلمي (تحيا تونس)

يحتد الجدل حول صلاحيات رئيس الجمهورية وينعكس ذلك بصورة طبيعية على مضمون الحملة الإنتخابية الرئاسية وشكلها.

و من معضلات هذا الجدل أنه يتخذ في غالب الأحيان طابعا قانونيا صرفا و يرتكز على هذا الفصل أو ذاك من الدستور و يغيب عنه الجانب السياسي الذي يمثل طابعا جوهريا في الإنتخابات الرئاسية.
و الحال أن دور الرئيس و صلاحياته في نظامنا السياسي و الأنظمة الشبيهة لا ترتبط فقط بالفصول الواردة في الدستور. بل ترتبط أساسا بميزان القوى بين الكتل البرلمانية المنبثقة عن الانتخابات البرلمانية. لذلك فإن الإنتخابات الرئاسية تهيئ و ترتبط بالإنتخابات البرلمانية بصورة وثيقة و تمثلان وحدة مترابطة.
رئيس منتخب معزز بأغلبية برلمانية
هذه فرضية العمل hypothése de travail التي يجب أن يشتغل عليه المترشحون للرئاسية. فكل منهم يسعى من خلال حملته الرئاسية إلى الفوز بالإنتخابات البرلمانية.
ذلك أن العامل الأساسي الذي يحدد صلاحيات الرئيس هو فوز حزبه بالأغلبية البرلمانية و ليس فقط صلاحياته المضمنة في هذا الفصل أو ذاك من الدستور. فعندما يفوز الرئيس بالأغلبية البرلمانية يصبح زعيما للأغلبية البرلمانية و بالتالي فهو الرئيس الفعلي للسلطة التنفيذية و يصبح رئيس الحكومة الذي يعينه مسؤولا أمامه. هكذا يتحول النظام السياسي إلى نظام رئاسي و يصبح الرئيس هو القائد الفعلي للبلاد. لقد أدى تقديم الانتخابات الرئاسية على الانتخابات البرلمانية في بلادنا إلى بروز فرضية نيل الرئيس المنتخب للأغلبية البرلمانية كفرضية جد ممكنة. فلقد أظهرت التجارب المقارنة انه عندما تسبق الإنتخابات الرئاسية بقليل الإنتخابات البرلمانية فإن الثقة التي يمنحها الناخبون لرئيس الجمهورية يجددونها في الإنتخابات البرلمانية ليعطوا الرئيس أغلبية برلمانية مريحة تمكنه من الحكم لمدة ولايته. هذا ما بينته تجربة الإنتخابات الفرنسية في الدورات الثلاثة الأخيرة حيث أعطى الناخبون الفرنسيون الثقة للرئيس و لأغلبيته البرلمانية في 3 مناسبات. و هذا ما نتوقع حدوثه في بلادنا
فرضية العمل هذه تدعو المترشحين مهما كان حجمهم و قوتهم إلى عدم الفصل بين الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية لأنها مرتبطة بصورة وثيقة. كما تدعوهم إلى أن يقدموا للتونسيين مشاريعهم السياسية و الإقتصادية والإجتماعية كاملة و كأنهم سيفوزون في الرئاسية وفي البرلمانية وأن الشعب سيعطيهم التفويض الإنتخابي للحكم رئاسة و برلمانا.
رئيس منتخب و كتلته البرلمانية أقلية (نظام التعايش cohabitation)
هذه هي الفرضية الثانية التي يمكن أن تحدث. إذ يمكن أن ينتخب رئيس من حزب سياسي معين و تنتخب الأغلبية البرلمانية من حزب سياسي أخر. في هذه الحالة يصبح النظام السياسي نظاما برلمانيا و تنطبق عليه حالة التعايش بين رئيس الجمهورية من حزب و رئيس حكومة من حزب أخر. عند ذلك تصبح الكتلة البرلمانية للرئيس في المعارضة.
إنه نظام التعايش cohabitation الذي شهدته فرنسا في 3 فترات. مرتين خلال رئاسة فرنسوا ميتران ( جاك شيراك و ادوارد بلادير) و مرة في عهد جاك شيراك (ليونال جوسبان).
وحتى في حالة التعايش فإن الرئيس المنتخب يبقى قائد الشعب. علاوة على أن لديه الكثير من الآليات للتأثير على العمل الحكومي. و علاوة على صلاحياته الدستورية مثل رفض القوانين و إعادتها إلى البرلمان والتي تمكنه من كبح جماح الحكومة فله أيضا أساليب سياسية وهي الأكثر أهمية. فوجود كتلته البرلمانية في المعارضة وقدرته على تعزيز تلك الكتلة و تشكيل إئتلاف واسع يجعله في موقف مريح تجاه الأغلبية التي قد تجبر على البحث عن التوافق معه أو حتى الإندماج معه ليصبح مجددا زعيما للأغلبية البرلمانية و يصبح النظام السياسي من جديدا نظاما رئاسيا.
قصارى القول أن الرئيس المنتخب انتخابا حرا ومباشرا يبقى دائما في نظامنا السياسي و الأنظمة المشابهة المتحكم الرئيسي في العملية السياسية وفي المشهد السياسي.
التنافس الرئاسي: صراع البرامج الشاملة والمشاريع الوطنية
يسعى البعض إلى تقزيم منصب رئاسة الجمهورية وحصره في صلاحيات محدودة متعلقة بالدفاع الوطني والعلاقات الخارجية. و بالتالي حصر الحملة الإنتخابية في قضايا الدفاع و الديبلوماسية.
و هي كما أشرنا إليه قراءة قانونية صرفة و محدودة لا تأخذ بعين الإعتبار المعطيات السياسية و خاصة نتائج الإنتخابات البرلمانية. فتونس و باسثناء مقاومة الإرهاب ( و هي قضية استراتيجية) لا تطمح إلى أن تصبح قوة عسكرية إقليمية. من جهة أخرى و على أهمية الديبلوماسية الإقتصادية فإن توفير ظروف الإستثمارالخارجي في البلاد هو الشرط الأساسي لإستجلابه. هكذا يسعون لتكون حملة انتخابية باردة و باهتة و تغيب عنها القضايا الجوهرية للتونسيين مثل النمو الإقتصادي والبطالة والتنمية المستدامة ومقاومة الفقر.
إن رهان الإنتخابات الرئاسية رهان سياسي و مجتمعي بامتياز. و لا يمكن حصره في صلاحيات مضمنة ببعض الفصول في الدستور. لذلك فإنها فرصة لكل مترشح ولكل حزب أن يقدم للتونسيين مشروعه الإصلاحي للبلاد سواء كان ليبراليا أو محافظا أو اجتماعيا أو إسلاميا. و ليكف بعض المترشحين عن استبلاه الناخبين و عن ترديد حكاية «الصلاحيات المحدودة « و أن الرئيس المسكين « لا حول له و لا قوة». ثم بعد الإنتخابات تنقلب الأمور. هاتوا ما عندكم أعلنوا برامجكم أفرغوا جرابكم و أيقظوا الحلم وازرعوا الأمل في نفوس التونسيين. و في ذلك فليتنافس المتنافسون.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية