منبــر// لغز «العصفور النادر»: النهضة وورقة الرئاسية وتموقع الاسلام السياسي في الحكم

بقلم: طارق الكحلاوي
باحث وناشط سياسي مستقل
ربما لم يقصد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي اثارة كل هذا اللغط، لكن تعبير «العصفور النادر» اصبح عمليا كلمة

سر لاحد اهم احجيات المرحلة القادمة، انتخابات 2019 وما بعدها. انطلقت الحركة منذ بداية شهر جوان في انتخابات تمهيدية لاختيار 217 عضوا في قائماتها التشريعية من بين اكثر من 700 مترشح ولن تكون مجرد محطة اخرى للفرز بل اختبارا وتحديدا لموازين القوى في المرحلة القادمة المفتوحة على خلافات جدية تسائل الوحدة الداخلية طويلة الامد للتنظيم.

بمعزل عن تموقع اي فاعل فان احدى المسائل الكبرى قبل وبعد الثورة كانت مسألة وضع الاسلام السياسي. كنت اكتب بانتظام قبل الثورة وفي مستوى الممارسة منذ كنت في النشاط السياسي الطلابي في التسعينات في اتجاه الدفاع بوضوح عن حق هذا التيار الفكري، وايضا القوة الاجتماعية التي يمثلها، في التعبير والتنظم ورفضا لمنطق «الاستئصال» الاستبدادي. وبعد الثورة تموقعت سياسيا في الاتجاه الذي يرى ان بناء الديمقراطية لا يمكن ان يحدث بدون ادماج والتعاون مع هذا الفاعل ولو بعدد من الاخطاء خاصة في القبول بتوازن غير صحي لتحالف الترويكا. ولكن حتى العديد ممن تصرف بمنطق استئصالي مع «النهضة» في مرحلة «الترويكا» انتهى الى ذات القناعة متى اصبح في السلطة ومعنيا بمسؤولية تسيير الدولة.

الاسلام السياسي منافس للبديل الاجتماعي-الديمقراطي-العروبي الذي اؤمن به. لكن ثقله الاجتماعي يفرض علينا التعامل بمسؤولية مع وضعه. ويستدعي تشخيصا جديا ومدققا لمالاته. ساطرح هنا اشكالية اساسية وهي ماهي نظرة الاسلام السياسي كما تمثله حركة النهضة لمسالة الحكم في تونس في مرحلة البناء الديمقراطية الراهنة. ومن خلال هذا السؤال ساطرح سيناريوهات مقاربتها لـ«العصفور النادر» وورقة الرئاسية.

في «الاستئصال» والحاجة الى الحكم وصراعات النهضة في افق «مؤتمر 2020»
أحد الاسئلة الكبيرة في الساحة السياسية في تونس هو لماذا لا تتم معاقبة النهضة في الانتخابات وتتم معاقبة النداء؟ بمعنى اخر لماذا هذا التمييز في التصويت العقابي ضد الائتلاف الحاكم؟ في الحقيقة وحتى نكون دقيقين ان النهضة مثل عديد الاحزاب التي وصلت الى السلطة عاقبها ناخبوها بالامتناع المتزايد عن التصويت لها بما ادى الى الانخفاض المتدرج لقاعدتها الانتخابية الى ان وصلت الان الى حدود خمسمائة الف ناخب. واثر ذلك على التقييمات الداخلية للحركة بين من يركز على الموقع الاول في البلديات ومن يركز على الاصوات التي خسرها الحزب.

لكن السؤال الاهم هو لماذا تبقى في المرتبة الاولى ولم تهترئ قاعدتها الانتخابية بالتناسب مع منافسيها؟ الاجابة الاكثر احتمالا ان النهضة حافظت على صورة الحزب القوي القادر على البقاء موحدا ورغم ثقله واتساعه بعكس اغلب المشاريع الحزبية التي واجهت وتواجه الانقسام والتفتت. بمعنى اخر ورثت النهضة جزءا مهما من الناخبين الذين يمكن احتسابهم على جزء من تلك الكتلة الاجتماعية التي تنحو للحفاظ على الموجود خوفا من المجهول.

لكن هل صورة الوحدة الصماء لدى الناخب هي واقع النهضة؟ وهل وحدتها ابدية؟ على مدى اكثر من اربعين عاما عاشت حركة النهضة (بتعبيراتها العديدة من «الجماعة الاسلامية» الى «الاتجاه الاسلامي» فـ«النهضة») مسارا بين الوحدة والصراع. وحتى لا نغرق في سردية تاريخية لسنا معنيين بها الان يمكن ان نلخص عموما ان الصراع الذي كان شديدا في عديد الاحيان لم يؤد حتى الان الى شرخ علني كبير. ما شهدناه عموما انسحابات لقياديين يعود بعضهم لاحقا بدون ان يؤدي ذلك الى انقسامات تنظيمية رئيسية مثلما حدث مثلا في النموذج التركي للذكر لا الحصر. بيد ان ذلك ليس من باب الاقدار بل لعوامل موضوعية اهمها الاحساس بالخوف من عدو/اعداء خارجيين. كان ذلك هو الاسمنت الرئيسي الطارد لاي توجه تتم فيه ترجمة الصراعات الداخلية القوية الى انقسام حاد.

وكانت مرحلة «المحنة» (من 1990-الى الثورة) التي حاول فيها نظام بن علي «استئصال» الحركة شخوصا ومضمونا وسياقا وحين دخل التنظيم بتفاوت في مرحلة التيه او القصور العضوي، كانت تلك المرحلة للمفارقة «الاسمنت المسلح العاطفي» لوحدة «الجماعة».

مثلت مقولة «الاستئصال» ليس فقط معطى واقعيا لدى النظام قبل الثورة، ثم بعدها لدى جزء مهم من النخبة والخارج الاقليمي والدولي بما يفسر جانبا من صراعات مرحلة «الترويكا»، بل ايضا ركنا اساسيا في سياسة التدبير الداخلي للجسم التنظيمي. بمعنى آخر أصبح «الاستئصال»، ليس فقط تهديدا واقعيا، بل أيضا وبعد تراكم التجارب والذاكرة الوعرة والصعبة كلمة السر للانضباط التنظيمي. ومتى حضر تهديد «الاستئصال» انتفى الصراع. اصبح بذلك حالة معقدة: تهديد اقليمي وداخلي حقيقي لا يمكن انكاره وايضا اداة ترويض للتنظيم وصراعاته. وهكذا نحن ازاء حاجة دائمة لتهديد «الاستئصال» بما يمكن من الحفاظ على التنظيم.

وكان من المثير للانتباه ان مقولة «الاستئصال» كانت عاملا اساسيا للحفاظ على وحدة النهضة الداخلية خاصة اثر اتفاق باريس وتمظهراته العملية اثر انتخابات 2014 ممثلا في «استراتيجيا التوافق». كان احد اهم ادوات محاصرة تأثير «المتنطعين» الرافضين لتغيير قواعد اللعبة هو استحضار خطاب «التهديد الاستئصالي». كما ان الاهم من ذلك اصبحت مقولة الاستئصال اساسية في هيمنة فكرة «حزب الحكم» او على الاقل التموقع في الحكم كضمان اساسي للحركة ضد خطط الاستئصال. بمعنى اخر لا وجود للحركة في الساحة بدون ان تجد صيغة ما للتموقع في الحكم.

غير ان حجة «الاستئصال» ليست دائما ذات جدوى. من الواضح منذ المؤتمر العاشر ان صراعا يشق الحزب بين «خط الشيخ» و«خط اصلاحي» أوشك على الانفجار وسط المؤتمر ووصلت ملامحه بوضوح الى العلن. المعركة تتركز حول نفوذ شخص رئيس الحركة مقابل «نفوذ المؤسسات»، او هكذا يشرح »الخط الاصلاحي» طبيعة الصراع. ايضا يمس الجانب السياسي خاصة درجة التنازلات للمنظومة القديمة، وللتأكيد هنا الصراع ليس حول مبدأ التنازل و«استراتيجيا التوافق» بل حول «درجة» التنازل، حيث يتم اتهام رئيس الحركة بانه تنازل او وثق اكثر من اللازم اما في قائد السبسي او في الشاهد.

وهنا اصبح موضوع المؤتمر الحادي عشر الذي من المفترض ان يكون حسب النظام الداخلي في 20 ماي 2020 (20 /05 /2020) المحطة الاساسية التي يهيئ لها كل طرف داخل الحركة نفسه. والاشكال الرئيسي الذي سيكون محور التوازنات والصراع هو بقاء من عدم بقاء راشد الغنوشي في رئاسة النهضة. رسميا وحسب النظام الداخلي لم يعد ممكنا لشيخ الحركة ان يُنتخب من جديد رئيسا لها. صحيح ان الحركة عرفت رؤساء لها في السابق لكن بالتدقيق في ذلك يتبين بسهولة ان ذلك كان في سياق غياب الغنوشي او عدم قدرته على ترؤس الحزب. بمعنى اخر من الصعب ان نرى «النهضة» بدون الغنوشي رئيسا لها أو هكذا يرى «خط الشيخ» لاعتبارات موضوعية تخص طبيعة تموقعه الروحي في التنظيم وعلاقاته وتموقعه الاقليمي في سياق الصراعات الحالية ولكن ايضا رغبته الذاتية في الاستمرار. في المقابل يرى «الخط الاصلاحي» ان استمرار النهضة وتجددها غير ممكن بدون تجديد القيادة بما يسمح بنمو واستقواء المؤسسات على الاشخاص وهو غير الممكن في السياق الراهن.

ومن الخطأ ان نعتبر اي مسالة مطروحة امام الحركة على مستوى وطني سواء «العصفور النادر» او تشريعيات 2019 اكثر اهمية من المسالة الداخلية اي «مؤتمر 2020» وعموما يمكن ان نعتبر ان اي مناورات تتم بالتحديد لتعزيز موقع هذا الطرف او ذاك بحلول المؤتمر. ويجب ان نضع هنا فرضية تاجيل المؤتمر ان لم يتم ايجاد صيغة توافقية داخلية للمرحلة الانتقالية القادمة: سواء كانت هذه المرحلة «النهضة بعد الشيخ» او «النهضة مع الشيخ لكن ليس رئيسا».

النهضة «حزب التشريعيات»: نقطة استقواء وايضا استضعاف
منذ نقاشات الدستور كان من الواضح أن تصور النهضة للنظام السياسي يتركز اساسا على قراءة داخلية واخرى خارجية. ملخص التصور النهضوي هو ان النظام البرلماني أو شبه البرلماني يسمح بتموقع الحزب في الحكم بدون استفزاز مختلف مراكز القوى في حين ان نظام سياسي رئاسي سيجعل من الصعب على النهضة التموقع في الحكم حيث انها استشعرت باستمرار رفضا داخليا وايضا خارجيا لتركز الحكم في صورة زعيم نهضوي. ولا يبدو هذا التقدير السياسي مخالفا تماما للواقع اي نلاحظ مثلا في استطلاعات الراي المختلفة رايا سلبيا يصل الى نسبة 40 ٪ من القاعدة الانتخابية للنهضة من رئيس الحركة.

عموما استطاعت النهضة ان تجاري مختلف الصراعات والتوازنات حتى بعد هزيمتها الظاهرة في انتخابات 2014 من خلال تموقعها ككتلة موحدة صماء في البرلمان مقابل الاهتراء الدائم لمنافسيها وحلفائها على السواء سواء في مرحلة الترويكا او مرحلة «التوافق». وعليه فان الانتخابات التمهيدية الحالية لاختيار مرشحي التشريعية مهمة للغاية. اذ ستعكس من جهة التنافس الداخلي بين «خط الشيخ» و«الخط الاصلاحي»، وايضا سنرى البعد الجهوي في مواجهة البعد المركزي حيث تصاعد الشعور العام في المحليات والجهات بهيمنة المركز سواء عبر الشيخ او عبر الشخوص التاريخية المعروفة. وحتى الاسبوع الثاني من الانتخابات لا يبدو ان الذين تحصلوا على اعلى الاصوات جهويا من المقربين من «خط الشيخ» باستثناء جهة القصرين حيث صعد نور الدين العرباوي، في المقابل هناك ميل واضح للتجديد وتصعيد قيادات شبابية ونسائية الى المراتب الاولى. وسيكون الاسبوع الثالث من الانتخابات مصيريا في التوازنات الداخلية لانه سيشمل اهم الدوائر الانتخابية من حيث الثقل الانتخابي وايضا من حيث ثقل الاسماء المترشحة (تونس 1 وتونس 2 وسوسة وصفاقس 1...).

ستكون الانتخابات الداخلية مهمة لانها لن تفرز كتلة منسجمة تماما بالضرورة بما انها تجري في اطار تجاذب معقد (سياسي بين خطين وجهوي/مركزي) حيث لم يعد من الممكن لرئيس الحركة ان يتدخل ويقوم بتعديلات واسعة وجوهرية في تحديد رؤساء القائمات والاربعة الاوائل كما كان في السابق. هامش المناورة الضعيف هذا يمكن ان يفرز كتلة ممثلة للصراعات الداخلية وضعيفة الولاء لمركز الحزب.

التحدي الانتخابي للنهضة في تشريعيات 2019 رئيسي اذ انها تطمح الى اثبات صحة «استراتيجيا التوافق» وانها بصدد ربح المواقع بسبب هذه الاستراتيجيا وليس العكس. «خط الشيخ» تحديدا معني باثبات هذا النجاح كما حصل في الانتخابات البلدية سنة 2018 وحرص الحركة على حصد اكثر عدد من رئاسات البلديات والخروج في موقع «حزب الحكم». ومن الواضح ان النهضة لن تفرط بسهولة في موقع رئاسة الحكومة في 2019 اذا تحصلت كما تتوقع اغلب الاستطلاعات على المرتبة الاولى. وهذا التحدي ورقة اساسية لـ«خط الشيخ» لترتيب اوضاع «مؤتمر 2020» بما لا يسمح بابعاد الغنوشي كما يسعى «الخط الاصلاحي».

غير ان التحدي الاكبر للنهضة ان نقطة قوتها الرئيسية اي كتلة برلمانية موحدة ومنضبطة يمكن ان تصبح بعد انتخابات 2019 نقطة ضعف اساسية. ليس بسبب احتمال انعكاس الصراع القادم حول «مؤتمر 2020» عليها بل ايضا والاهم اننا نواجه على الارجح ازمة حكم جدية اثر نتائج 2019. اذ تحيلنا معظم استطلاعات الراي المنشورة وغير المنشورة الى ان من سيصل الى المراتب الاولى يتحصل على نسبة كبيرة كما حصل في 2011 وكما حصل مع النداء في 2014 (الارجح في 2019 الحزب الاول لن يتجاوز 25 ٪ مقارنة بـ38 ٪ سابقا). اضافة الى ذلك من المتوقع تراجع الفارق بين من سيكونون في المراتب الاولى والملاحقين او «مجموعة العشرة في المئة» بما سيجعل «هدية اكبر البقايا» التي استفادت منها الاحزاب الاولى في الانتخابات الفارطة اقل بكثير من السابق. ومن المتوقع ان تحصل النهضة على عدد مقاعد اقل من الان رغم انها ستاتي في المرتبة الاولى (التقديرات تشير الى حوالي 50 مقعد للحزب الاول والبقية حوالي خمس كتل بحوالي 30 مقعدا لكل منها في انتخابات 2019). نحن ازاء «ازمة حكم» كبيرة متوقعة والارجح انتخابات مبكرة منتصف 2020 مع فشل الحزب الاول في تشكيل حكومة ومن المتوقع ان الضغط الداخلي والخارجي لتغيير النظام السياسي الى رئاسي سيصبح الملف الرئيسي على طاولة الجدال السياسي في البلاد. وهذا يعني ان صورة «حزب التشريعيات» ستكون حينها مصدر استضعاف وليس استقواء كماهو الحال حتى الان. وهنا تاتي اهمية الرئاسية هذه المرة بالنسبة للنهضة خاصة ازاء احتمال انتخابات مبكرة يعلنها رئيس الجمهورية الجديد.

«العصفور النادر» ومعضلة الرئاسية: ورقة للتفاوض أم رهان حقيقي
أعلنت النهضة في اطار المؤتمر العاشر انها ستتخذ موقفا رسميا ولن تتفرج على الاستحقاق الرئاسي في 2019 مثلما حدث في 2014 ونصت في لوائحها بوضوح انها اما سترشح مرشحا باسمها او ستدعم مرشحا من خارجها بشكل رسمي. وكرر «مجلس الشورى» اعلى سلطة بين مؤتمرين ذات الموقف مرات عديدة. على الارجح كانت حسابات رئيس الحركة حينها، اي الزمن الوردي لـ«التوافق مع قائد السبسي»، مبنية على ان «استراتيجيا التوافق» تعني عمليا التوافق علنا وبوضوح على مرشح رئاسي موحد.

حسب النظام الداخلي تحديد ورقة الرئاسية بشكل كبير في يد رئيس الحركة. اذ هو المعني الاول بالتزكية وان قرر ان لا يترشح فهو الذي يقترح. ومن الواضح ان هناك حالة ارتباك كبيرة منذ فترة وخاصة منذ «التوافق مع الشاهد» حول الموضوع. اذ ان عدم وضوح افق الشاهد ومدى الوثوق من «وفائه» بالتزاماته وقدرته على اعادة انتاج حزب قوي كلها عوامل اجلت الحسم. ومن غير المستبعد ان اصرارا اوروبيا وخاصة فرنسيا على دعم الشاهد حتى الان، في انتظار تاثير الصعود غير المنتظر للقروي منذ اشهر قليلة، عامل ضاغط على الحركة للحسم في اتجاه ساكن القصبة. وهناك حديث حتى عن ان الزيارة الاخيرة لرئيس الحركة الى دوائر السلطة في باريس كان احد اسبابها استمزاج رايها في دعم الشاهد، بل هناك حديث عن ان رئيس الحركة استشعر عدم اعتراض على شخصه اذا ترشح.

وقد أعلن رئيس الحركة «عدم رغبته الشخصية» في الترشح للرئاسية في بداية جانفي 2019 في اطار ندوة لمركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية (الذي يديره احد اقرب المقربين له) حيث قال انه «لا يملك طموحات شخصية في الوصول إلى قصر قرطاج الرئاسي مرجحا أن تدعم الحركة التي يرأسها شخصية من خارج الحركة». لكن من الواضح ان الامور ليست بهذا الوضوح خاصة ان «خط الشيخ» غير مقتنع تماما أن الغنوشي ليس له حظوظ جدية في المنافسة قياسا بحجم الحركة في التشريعية ويبدو ان هذه النقطة تحديدا من اسباب ردة الفعل القوية على اخر استطلاعات مؤسسة «سيغما» بداية شهر ماي. ومن الواضح ان صعود نجم القروي في الاستطلاعات، وهو الامر الذي لم تنظر اليه النهضة جديا منذ بروزه فيها خاصة منذ بداية العام في استطلاعات غير منشورة، اربك حساباتها. كذلك كان تاثير اعلان حمادي الجبالي القيادي التاريخي في النهضة الترشح حيث انه من المرجح ان يجلب جزءا من جمهورها ان لم ترشح للرئاسية مرشحا من داخلها.

ويبدو ان لحظة مفصلية في النقاش الداخلي اجتماع «لجنة السياسات» في مجلس الشورى الذي اشار اليه القيادي في الحركة عبد الحميد الجلاصي والمحسوب على «الخط الاصلاحي» (حوار مع اذاعة »موزاييك» في 22 ماي الماضي) والذي اعاد التداول في كل الاحتمالات بما في ذلك مرشحا من داخل النهضة. حيث اصبح الجدال الداخلي علنيا في هذه النقطة الخلافية. وهو ما تاكد في التصريحات اللاحقة خاصة من قبل عضو الشورى زبير الشهودي (القدس العربي 23 ماي) والذي قال فيه: «أعتقد أن على النهضة أن تأخذ مسلكاً جديداً في التعامل مع موضوع الرئاسية وتتحمل مسؤوليتها التاريخية، وعليها أن تبحث في داخلها من يحقق الالتزام بقيم الجمهورية الثانية ودستور 2014، وهذا رأي من آراء أخرى داخل النهضة». كذلك تصريح حاتم بولبيار عضو مجلس الشورى («الشارع المغاربي» 26 ماي) الذي تحدث عن مرشح «كناري ازرق اللون». ويبدو ذلك ردا على تصريح اخر لرفيق عبد السلام (الجزيرة نت 26 ماي) عندما رجح أن تقوم النهضة «بدعم مرشح رئاسي من خارجها بدلا من أحد قيادييها لأنه في صورة العكس تتمتع الشخصية الأولى في الحركة بهذا الدعم».-

ومن الواضح ان مجلس الشورى المقرر في 14 جوان سيكون اول مناسبة لطرح الموضوع بشكل مؤسساتي بعد تأجل طرحه في اجندة الشورى اكثر من مرة. اذ احجم على ما يبدو المكتب التنفيذي المعني بتقديم تصور حول الرئاسية عن القيام بذلك حتى الان. وهناك ترقب لما ستطرحه «ورقة التنفيذي» التي ستقدم في الشورى وهل ستدعم خيار «المرشح النهضوي» وهل سيعني ذلك التمسك بخيار ترشيح رئيس الحركة بمعزل عن «رغبته الشخصية».

عموما على الارجح ان نقاش مرشح الرئاسية او «العصفور النادر» سيكون من زوايا مختلفة وهي كالتالي:
- ان يكون المرشح داعما لسعي الحركة للفوز برئاسة الحكومة حيث سيكون المرشح ورقة تفاوضية اذ للتذكير ستنطلق المداولات الرسمية لرئاسة الحكومة مباشرة قبل انطلاق سباق الرئاسية.
- ان يكون معنيا بحماية تموقع النهضة في الحكم ان فشلت اي مفاوضات حول رئاسة الحكومة.
- ان يقدم النهضة لاول مرة كـ«حزب رئاسيات» وليس تشريعيات فحسب.
وهنا ستكون خيارات النهضة من المرشحين الداخليين محدودة. واذا وضعنا كمعيار اساسي الجمع بين دعم نهضوي ولكن خاصة قدرة على جلب دعم من خارجها فان حظوظ رئيس الحركة لا تبدو كبيرة قياسا بمختلف استطلاعات الراي الا اذا تم التعويل على »المكينة» النهضوية. في حين تصبح فرص نائب رئيس الحركة مثلا الشيخ عبد الفتاح مورو اكثر مما كان متوقعا اذا تم اعتماد معيار «القبول» في القاعدة غير النهضوية. في المقابل فان قائمة المرشحين من خارج الحركة اذا كان يجب ان تشمل شرطي «الثقة» وضمان «التوافق» ستبدو محدودة للغاية. وفي النهاية حينها سيكون اسم المرشح مخفيا الى ما قبل الدور الاول بقليل. وفي كل الحالات «التوافق» داخل النهضة هذه المرة حول المرشح هو اصعب من اي مرحلة سابقة. وهذا في حد ذاته عنوان المرحلة الحالية، حيث التجاذب الداخلي اصبح مؤسسا وناضجا اكثر من اي وقت مضى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية