وتتعالى معها احيانا دعوات تطالب النخب بأن تتّفق أوّلًا على “قواعد العيش المشترك” قبل أيّ القدرة على انجاز انتقال سياسي جديد. الدعوة تبدو مفهومة، لكنّها تجيب عن سؤال اعتبره خارج الموضوع. فمشكلة تونس لم تكن يومًا في غياب النصوص المشتركة، بل في غياب العمق الاجتماعي الذي يحوّل النصوص إلى قوّة وازنة قادرة على التغيير. وتكشف اننا بقدر ما نعاني من معضلة الشعبوية فاننا نعاني ايضا من معضلة النخبوية، اي نعاني في الوقت نفسه من الاعتقاد الهلامي في شعب صالح يعاني من نخبة طالحة الى الاعتقاد الوهمي في نخبة صالحة تعاني من شعب طالح.
لا تغيّر مسيرات الأحزاب والنخب ميزان القوى بذاته، وموازين القوى هي القلب المحرك للسياسة. هي تكشف حجم من يقف من الكتل الاجتماعية وراءها ومدى تماسكهم، وقد تخلق دينامية نخبوية تفتح الباب لتغيير في ميزان القوى، لكنّها وحدها بحشد نخبوي (لا يتجاوز في اقصى الحالات خمسة الاف شخص في العاصمة) حشد صرف لا يغيّر شيئًا وازنا حتى وان استدعى خطابا متوترا يسوده التخوين والمؤامراتية من قبل السلطة. وما يحسم الأمر في النهاية هو الكتلة الاجتماعية التي تتحرّك، لا من يتصدّر الصفوف في المسيرات.
وقد جرّبت تونس توافقات «العيش المشترك». فقد جمعت هيئة 18 أكتوبر سنة 2005 إسلاميين ويساريين وليبراليين، ووقّعوا على وثائق في الحرّيات والمساواة وطبيعة الدولة، وكانت تلك التفاهمات أعمق ممّا تتصوّره نخب اليوم. ثم جاءت الثورة، فلم يرجع أحد إلى تلك الوثائق في لحظة الحسم عشية الثورة، وانتقلت بسرعة قياسية ذات القوى الموقّعة على «العيش المشترك» إلى صدام محموم من أجل السلطة أضرّ بمصداقيتها. انتهت السياسة، كما هي دائمًا، إلى معادلات موازين القوى في الانتخابات والشارع والتحالفات، وانقسم الموقّعون أنفسهم إلى معسكرين. وتبيّن أنّ التفاهم النخبوي يصمد ما دام الخصم المشترك قائمًا، ثم يذوب حين تتوزّع المسؤوليات والغنائم.
وتؤكّد التجارب المقارنة ذلك. فلم يأتِ الانفتاح في كوريا الجنوبية عام 1987 من ميثاق بين النخب، بل من ضغط شارع اتّسع حتى شمل الطبقة الوسطى. ولم تكن بولندا ثمرة حوار الطاولة المستديرة وحده، بل ثمرة حركة نقابية ضخمة سبقته وفرضته. وحتى «الاتفاقات النخبوية» التي تحتفي بها أدبيات الانتقال الديمقراطي، تحدث غالبًا بعد أن يتغيّر ميزان القوى، فتثبته ولا تقوم بصناعته.
وإسبانيا أبلغ مثال على ذلك، فهي تُقدَّم عادةً نموذجًا للانتقال التفاوضي، وقد وُقّعت فيها «اتفاقات لا مونكلوا» سنة 1977. غير أنّ تلك الاتفاقات لم تُصنع في فراغ. فقد سبقتها بعد وفاة فرانكو موجة إضرابات عمّالية واسعة، وحركة نقابية وطلابية وجهوية جعلت الاستمرار على النظام القديم مكلفًا، فجلست النخب إلى الطاولة وفي ظهرها قوة اجتماعية تفرض الجلوس. وكان مضمون تلك الاتفاقات اقتصاديًا واجتماعيًا بقدر ما هو سياسي، إذ تناولت الأجور والتضخم والإصلاح الضريبي، فاقترن الانتقال الديمقراطي منذ بدايته بوعد اجتماعي. وفي البرتغال لم تحسم الصالونات الأمر، فبعد انقلاب 25 أفريل 1974 الذي قاده ضباط، خرجت الجماهير إلى الشوارع، وتشكّلت لجان العمّال والسكان، وجرت احتلالات للمصانع والأراضي، وتحدّد مسار الانتقال بميزان القوى بين الضباط والأحزاب والشارع لا بتفاهم مسبق، إلى أن حُسم في نوفمبر 1975 وأفضى إلى دستور 1976 وانتخابات تعدّدية.
وتقدّم أمريكا اللاتينية الدرس نفسه بوجهيه. ففي تشيلي لم يسقط بينوشيه بميثاق بين الأحزاب وحده، بل بعد احتجاجات وطنية متتالية منذ 1983، وحملة تسجيل انتخابي واسعة جعلت الناخبين يحسمون استفتاء 1988 بالرفض. ثم رسخت حكومات «التوافق» الديمقراطية لأنّها ربطتها بنتائج اجتماعية ملموسة، فتراجع الفقر تراجعًا كبيرًا خلال التسعينات. وفي البرازيل سبقت حملةَ «الانتخابات المباشرة الآن» (1983-1984) موجةُ إضرابات عمّالية في أواخر السبعينات أنتجت نقابات جديدة وحزب العمّال. وعلى النقيض، قام «ميثاق بونتو فيخو» في فنزويلا عام 1958 على تفاهم محكم بين الأحزاب الكبرى، لكنّه ظلّ تفاهم نخب، فاستقرّ عقودًا ثم تآكل حين عجز عن تلبية مطالب القاعدة الاجتماعية، ومهّد الطريق لصعود تشافيز. فالميثاق بلا عمق اجتماعي قد يُعمّر، لكنّه لا يحمي الديمقراطية يوم تُختبر.
فأين فشلنا إذن؟ فشل التأسيس الديمقراطي في تونس لأنّه لم يرتبط بحياة الناس، وليس لأنّنا لم نتّفق على القواعد. نالت البلاد بعد 2011 حرّيات وانتخابات ودستورًا، ولم يلمس أغلب التونسيين تحسّنًا في الجهات المهمّشة، ولا في الأجور، ولا في الخدمات. فتحوّلت الديمقراطية في وعي كثيرين إلى شأن يخصّ الطبقة السياسية، وصار الدفاع عنها يُقرأ دفاعًا عن امتيازات لا عن حقوق. وبهذا خسرت النخب الرهان قبل 25 جويلية، إذ تُركت الحرّية بلا حماة اجتماعيين حين اشتدّ عليها الطوق.
وهنا تصلح المقولات الخلدونية لتحليل نموذج الانتقال. فالتغيير عند ابن خلدون لا يقوم بالأفكار وحدها، بل بعصبية تحمل الفكرة وتدافع عنها. والعصبية بلغتنا اليوم كتلة اجتماعية متماسكة المصالح، ترى في المشروع السياسي ضمانًا لعيشها لا ترفًا نخبويًّا. ومن لا يملك هذه الكتلة يكتب المواثيق ولا يحميها، مهما حسُنت صياغته وصدقت نيّته. ومعارضتنا اليوم أقرب إلى نصوص بلا عصبية، تتبادل المواثيق في ما بينها بينما يقف العمق الاجتماعي متفرّجًا، من عامل وفلاح وصاحب مقهى وشابّ معطل، ممّن خسروا من العشرية ولم يكسبوا ممّا بعدها، فلا يرى في الصراع صراعه.
والسؤال الذي يستحقّ أن يُطرح هو كيف تُقنع النخب هذا العمق بأنّ الديمقراطية أداة لتغيير حياته. وهذا يقتضي أمرين لا يسبق أحدهما الآخر: مشروعًا اجتماعيًّا واضحًا يربط الحرّية بالقدرة الشرائية والخدمات العمومية والعدالة الجهوية، ونخبًا تقبل أن تُحاسَب على هذا الربط بعد أن عجزت عنه في العشرية.
بقلم: طارق الكحلاوي