ارتفاع أسعار الطاقة:  القشة التي قصمت ظهر النمو الاقتصادي

سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم

وتراجع النمو الاقتصادي، وتفاقم عبء الدين الحكومي، وتفاقم العجز التجاري وعجز الموازنة خلال العامين المقبلين.

هل تستطيع الحكومة خفض عجز الطاقة وتقليل الدين العام المتراكم؟

خلال الأشهر الثمانية الأخيرة من عام 2026، بلغ العجز التجاري لتونس 17,858 مليون دينار، حيث بلغ عجز الطاقة وحده 8,930.2 - مليون دينار، ما يمثل 50% من إجمالي العجز التجاري، بزيادة قدرها 25% مقارنةً بعجز العام الماضي البالغ 7,148 -مليون دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025.

لا تستطيع تونس التحكم في أسعار الطاقة العالمية أو إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي في جميع أنحاء العالم، ولكن بإمكان الحكومة التونسية الاستثمار في استكشاف النفط الخام في دول مجاورة مثل ليبيا والجزائر، وبيع إنتاجها في السوق العالمية، والحصول على احتياطيات من العملات الأجنبية، واستخدام هذه العائدات لتقليص عجز الطاقة وبناء محطات توليد طاقة جديدة لإنتاج الكهرباء على مدى السنوات الخمس المقبلة، وبالتالي تخفيف العبء الإجمالي للدين الحكومي.

يتمتع موقع تونس الجغرافي بميزة كبيرة، حيث تقع بين دولتين - الجزائر وليبيا - وهما عملاقان في مجال الطاقة على مستوى العالم، مما يتيح لتونس الوصول إلى إمدادات وفيرة من الطاقة بأسعار زهيدة.

منذ عام 2023 وأنا أوصي الحكومة التونسية بأن الاقتصاد التونسي يحتاج إلى أسعار طاقة رخيصة وإمدادات وفيرة من الطاقة، ويمكن للحكومة أن تتعلم من الشركات التونسية الأخرى - STEG الدولية وEPPM الدولية التي تعمل في أفريقيا وتبيع خبراتها دوليًا - وأن تستثمر في ETAP وSTEG Internationale  وتبدأ في التنقيب عن النفط الخام والغاز الطبيعي في الدول المجاورة الجزائر وليبيا، حيث تربطنا بهما اتفاقيات اقتصادية وتجارية منذ أكثر من 30 عامًا.

يمكن للحكومة التونسية الاستفادة من تجربة شركة EPPM التونسية الخاصة التي فازت بعقد في قطاع الطاقة بالجزائر، كما يمكنها الاستعانة بشركات حكومية مثل ETAP وSTEG للمشاركة في استكشاف النفط الخام والغاز الطبيعي في الجزائر وليبيا، على غرار ما تفعله حكومات كوريا الجنوبية وماليزيا ودول أخرى في البلدين.

تحدث "أزمة الطاقة" عندما تصبح الطاقة شحيحة أو باهظة الثمن أو كليهما. وعادةً ما تنجم هذه الأزمات عن التوترات الجيوسياسية والحروب في الشرق الأوسط التي تُقلّص إمدادات النفط الخام، وأحيانًا عن ارتفاع الطلب، أو مزيج من الاثنين.

علاوة على ذلك، تُعدّ الطاقة عنصرًا أساسيًا لقطاعات أخرى، فعندما ترتفع أسعارها، ترتفع معها تكلفة كل شيء آخر، مما يُقلّل الاستثمارات في الاقتصاد ويُبطئ نمو الناتج المحلي الإجمالي ويُبقي البطالة مرتفعة.

إضافةً إلى ذلك، فإن أسواق الوقود الأحفوري عالمية، وقد يؤدي أي اضطراب كبير في منطقة ما إلى ارتفاع الأسعار عالميًا. لذا، نادرًا ما تقتصر أزمات الطاقة على قطاع الطاقة وحده، بل تؤثر على الأنشطة الاقتصادية العامة للبلاد.

تنشأ معظم أزمات الطاقة العالمية خلال الخمسين عامًا الماضية من صدمات في الإمدادات: اضطرابات خارجية مفاجئة لا يملك السوق الوقت الكافي لاستيعابها، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد في فترة وجيزة، ويجبر الدول على اقتراض موارد مالية إضافية بالدولار الأمريكي لتغطية العجز في ميزانياتها.

وتُعدّ أزمتا النفط في سبعينيات القرن الماضي، وتأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية الحالية والحرب الأمريكية الإيرانية الحالية على إمدادات الطاقة، أمثلةً على هذا النمط، إذ تُظهر هشاشة الدول التي تعتمد على الوقود الأحفوري في مجال الطاقة، مثل تونس.

لماذا لا تُعدّ الطاقة المتجددة حلاً لأزمة الطاقة المزمنة في تونس على المدى القريب والمتوسط، حتى عام 2030؟

يحتاج الاقتصاد التونسي إلى إمدادات طاقة رخيصة (أسعار غاز وكهرباء منخفضة) للحفاظ على انخفاض التضخم وتحقيق نمو اقتصادي مستدام، والحد من البطالة المرتفعة، وسداد الدين الحكومي. وخلال السنوات الخمس القادمة، لا يمكن لتونس الاعتماد على الطاقة المتجددة (الشمسية والريحية) للأسباب الثلاثة التالية:

  1. لا تُنتج الطاقة المتجددة، كالشمسية والريحية، الطاقة الأساسية (Baseload-24/7)بشكل متواصل على مدار الساعة، وهو ما يُمثل مشكلة رئيسية. فمحطات الطاقة المتجددة تحتاج إلى بطاريات لتخزين الطاقة الشمسية (Backup battery storage) ليلاً وعند انعدام الرياح، وهو أمر مكلف للغاية وغير متوفر حالياً في تونس.

يمكننا أيضًا الاستفادة من تجربة انقطاع التيار الكهربائي في إسبانيا في أبريل 2025، حيث انهارت شبكة الكهرباء ولم تستطع تلبية الطلب المتزايد، وتسبب الارتفاع المفاجئ وغير المنضبط في الجهد الكهربائي، بالإضافة إلى سلسلة من الأعطال المتتالية، في فصل ما يقارب 31 جيجاواط من الأحمال و15 جيجاواط من الطاقة المولدة في غضون ثوانٍ. مع العلم أن إسبانيا تُنتج 55% من كهربائها من مصادر الطاقة المتجددة، كالشمس والرياح، ومع ذلك شهدت انقطاعًا كبيرًا للتيار الكهربائي في عام 2025. (المصدر: وزارة التحول البيئي والتحدي الديموغرافي الإسبانية، وجامعة رايس، الولايات المتحدة الأمريكية).

  1. تحتاج شبكة الكهرباء التونسية Electricity Gridإلى استثمارات ضخمة لزيادة قدرتها على ربط محطات توليد الطاقة الجديدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ولا تملك ميزانية الحكومة التونسية أي مخصصات لتحديث الشبكة وزيادة قدرتها على نقل التيار عالي الجهد في جميع أنحاء البلاد خلال العامين المقبلين.
  2. عوامل الفقد الهامشي Marginal Loss Factors(MLF) مرتفعة للغاية: تعاني تونس من مشكلة كبيرة في مجال الطاقة الشمسية، حيث يتم توليد الطاقة الشمسية في جنوب تونس، بينما يتركز الاستخدام المكثف للكهرباء في الشمال، مما يزيد من تكلفة نقل الكهرباء إلى الشمال، ويُقدر فقد الكهرباء أثناء النقل عبر الشبكة بنسبة 20% من إجمالي الكهرباء المنتجة - عوامل الفقد الهامشي (MLF) - مما يزيد من تكلفة كل ميغاواط ساعة. (المصدر: STEG).

كيف يمكن للحكومة التونسية تمويل عمليات ETAP وSTEG في ليبيا والجزائر؟

الخيار الأول: تنص المادة 11 من ميزانية 2026 على إمكانية قيام الحكومة التونسية بجمع 7 مليارات دينار من سوق الصكوك الإسلامية. ويمكن للرئيس قيس سعيد، بمساعدة البنك المركزي التونسي، أن يطلب من السعودية والكويت وقطر تمويل الحكومة التونسية عبر هذه الصكوك. وقد حضر محافظ البنك المركزي قبل أسبوعين اجتماع محافظي البنوك المركزية للدول الإسلامية في إسطنبول لبحث سبل التعاون معها. (المصدر: بيان صحفي صادر عن البنك المركزي التونسي، انظر أدناه).

الخيار الثاني: ارتفعت بورصة تونس بنسبة 35% في عام 2025، وهناك سيولة تزيد عن 5000 مليون دينار، ويمكن للحكومة التونسية طرح 5% من أسهم شركة الكهرباء التونسية (STEG) و5% من أسهم شركة الكهرباء التونسية (ETAP) واستخدام الأموال للاستثمار في استكشاف النفط الخام والغاز الطبيعي في الجزائر وليبيا لتقليل عجز الموازنة، ويمكن للحكومة التونسية إعادة شراء الأسهم بعد 5 سنوات عندما يتعافى الاقتصاد التونسي.

الخلاصة

تعاني تونس من عجز مزمن في الطاقة منذ 25 عامًا، ولا يتجاوز إنتاجها حاليًا 25,700 برميل يوميًا. وفي يوليو 2026، لم تتجاوز نسبة اكتفاء تونس الذاتي من الطاقة 34%، ما يضطرها إلى استيراد 66% من احتياجاتها، الأمر الذي سيدفع الحكومة إلى الاقتراض بالعملات الأجنبية وزيادة الدين العام على مدى السنوات الثلاث المقبلة. (المصدر: وزارة الصناعة والمناجم والطاقة).

في عام 2025، أبرمت تونس اتفاقية تجارية مع الجزائر وليبيا، وبموجب هذه الاتفاقية، يحق للحكومة التونسية الاستثمار في شركة النفط والغاز التونسية (ETAP) وشركة STEG International للدخول في شراكات (مشاريع مشتركة) مع شركات جزائرية وليبية لاستكشاف امتيازات النفط الخام والغاز الطبيعي في الجزائر وليبيا. كما يحق لشركة ETAPبيع حصتها من إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي في السوق العالمية، واستخدام الأرباح لتقليص العجز التجاري وعجز الطاقة على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

بقلم: العربي البوهالي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115