زياد كريشان أو حين تتحوّل الصحافة إلى ميزانٍ للمعنى

تكوّن اسم زياد كريشان من زمن مهني طويل

ومن علاقة خاصة بالصحافة بوصفها فعل تفكير قبل أن تكون مهنة.. عندما دخلتُ إلى «المغرب» بعد عودتها إبان ثورة 2011، كنت إلى جانب زميلاتي وزملائي الشباب المتحمّس نتحسّس خطواتنا الأولى، أين كان كل واحد فينا يكتب سطره الأول في سيرة لم تُحسم بعد..

جئنا من الهامش، من ذاكرة تعرف جيدًا كيف يتسلّل الخوف إلى التفاصيل الصغيرة.. وسرعان ما تبدّد الخوف لنستبدل مكانه الأمل والعمل، فـ«المغرب» بيت امن، محبّ، لم نضطرّ فيه يوما أن نقاتل لنحمي أنفسنا.. كنّا نتنفس الحرية في تلك الأيام .. كما نتنفس الحلم ..

في «المغرب»، كان الأمان سلوكًا يُمارَس في التفاصيل.. يُبنى في طريقة الكلام، في المسافات التي تُحترم.. وكان يقف خلفنا الهاشمي الطرودي رحمه الله، يملأ المكان حضورًا صامتًا، وعمر صحابو الوقور يراقب المشهد بعين هادئة تزن كل حركة وكلمة. في ذلك البيت يقف أيضا زياد كريشان، وثلة من الزملاء والزميلات، بعضهم غادر البيت باكراً، وبعضهم ظل يحرسه، وكلهم جزء من شبكة حماية تحمي الحضور والذاكرة معًا.. فالأمان هنا ممارسة، يترسخ في طريقة الكلام، في المسافات التي تُحترم، في نظرة تُثبّت الثقة..

هنالك يحضر زياد كريشان في المشهد الصحفي كتركيب من تجربة طويلة ووعي متيقّظ...يتحرك داخل «المغرب» كما يتحرك من يعرف ثقل الموقع، ويحوّل الوظيفة إلى معنى، ويحوّل النص إلى مساحة للتفكير والمساءلة.. لم يكن يومًا رئيسًا، كان زميلًا يرافقنا، يرشد دون أن يفرض، يقيّم دون وصاية.. حتى اختلافاتنا معه فهمناها بعد سنوات من التجربة.. كان صادقا ولا يستحي ان يقول كلمة الحق..

كنا نرى في ملامحه انضباطًا واضحًا ومرونة واعية.. لطالما فتح المجال للنقاش، ولطالما حافظ على الخيط مشدودًا بين الآراء، ولطالما نسج من الاختلاف نسيجًا واحدًا.. كان حقيقيا في ذلك ولم يدّع .. وديمقراطيا وينتصر للحريات والحقيقة..

كنا نراقب صبره المهني، وكان يقول «الصحفي يبقى لسنوات يبني سمعته، وبين ليلة وضحاها يمكن أن تتداعى» لطالما حذّرنا.. لم يحتكر المعرفة، كان ينقلها، يفسّرها، يفككها، يحللها، يبسّطها، ويسقطها من كبريائها.. رأيناه، يتابع التحوّلات والمستجدات، و يراكم القراءة طبقة فوق طبقة، ثم يمنح النص عمقًا زمنيًا يجعل الفكرة متجذرة في سياقها، وخاصة وفية للحقيقةو مقاومة للسطحية والشعبوية. نرى الاقتصاد الداخلي في عباراته، كيف يزيل الزوائد ويحتفظ بجوهر الكلمة..

نلاحظ دقته في التقاط اللحظة، كيف تتحوّل التفصيلات الصغيرة إلى علامات، وكيف يشكل السياق شبكة تفسّر ما يجري بأدوات دقيقة. نرى الفكاهة الخفية التي يضيفها إلى تحليله، السخرية أحيانا، ولا ننسى كيف يحمي الصحفيين_ات من بطش السياسيين، ومن «عبارة «أخرج من سياقه»، لطالما انتصر لنا.. كان يوزّع فوق رؤوسنا مظلة ذكية، وتحول كل محاولة ضغط إلى فقاعات تتلاشى، وتصبح الكلمات لعبة شطرنج يسقط فيها السياسيون دون أن يشعروا..

نشعر بالمسافة التي يحافظ عليها مع السلطة، يقترب بما يكفي للفهم ويرتفع بما يكفي للرؤية، ويقرأ التحولات من الداخل، ويحلل الخطاب ليكشف ما يختبئ خلف المظاهر. نرى في نصوصه تتالي التحليل والتأمل، تتوسع دوائر الفكرة تدريجيًا، لتتحوّل النصوص إلى بنية متماسكة، يسودها توازن دقيق بين الحدس والتحليل، بين الصرامة والمرونة، بين القرب والارتفاع..

نسمع صوته أثناء الاجتماعات، نلاحظ كيف يوزّع الأدوار بهدوء، كيف يخلق لكل زميل مساحة للتفكير، لكل فكرة وزنها، وكيف يجعل من «المغرب» بيتنا، ملاذًا آمنًا للتجربة وإصلاح الخطأ..

إلى اليوم يكتب زياد كريشان بالقلم والورقة، كما لو أن حبره يمرّ عبر صمته وفكره قبل أن يلمسه الورق..بعيدًا عن السرعة الرقمية وضجيج الوسائط الحديثة..

عندما قرأت افتتاحية أخيرة شعرت بحزن.. بضيق، .. فزياد كريشان غدى فكرة استقرت بما يكفي لتواصل عملها، حتى بعد أن غادر صاحبها موقع المسؤولية. نحمل إرث الصبر واليقظة معه، نلتقط تفاصيل اللحظة الصغيرة ونربطها بالسياق الأكبر، نصوغ كلماتنا كما لو كانت أثقالًا دقيقة، تحمل في طياتها معنى ووزنًا ومكانة. المشعل يظل بين أيدينا، نتابعه بعينين مفتوحتين، نكتب بالورقة والقلم كما فعل هو، ونعيد تشكيل كل نص ليصبح امتدادًا للرؤية التي تراكمت عبر الزمن. كل سطر نكتبه يضيء الطريق، وكل فكرة جديدة تحمل صدى حضوره، وتعلّمنا كيف نحمل الضوء في العالم، ونعمل على كشف الحقيقة، وتجسيدها على الورق، بصبر ووعي وشجاعة

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115