فاصل شخصي: أنا لـم أتقاعد.. أنا لن أتقاعد..

أجدني مضطرا لخرق عهد أخذته على نفسي

منذ عقود فالصحفي في نواميس مهنتنا هو حرفي الخبر (L’artisan de l’information) لا موضوعا له.

لقد أثارت افتتاحية يوم الثلاثاء «المغرب ورهان التجدد والتشبيب» بعض سوء الفهم تعود مسؤوليته لي حصريا إذ كتبت في مطلع الافتتاحية: «هذه آخر افتتاحية أكتبها وأنا المسؤول الأول عن التحرير في جريدة المغرب» ففهم البعض أنها آخر افتتاحية بإطلاق أو آخر ما سأكتب في «المغرب» أو أنني سأغادر الجريدة لكي أنعم بـ«التقاعد»..

وأحدث سوء التفاهم هذا - وأكرر أنني المسؤول عنه لوحدي - موجة حبّ وتقدير (لا تخلو من مبالغات ككل موجات الحبّ والتقدير) ولكنها كانت صادقة ونابعة من صديقات وأصدقاء وزميلات وزملاء ممّن تشاركنا في رحلة الطريق وممّن لم تتح لي الظروف بمعرفتهم.. ولا أخفيكم تأثر عقلي البارد - فيما يبدو - بهذه المودة الصادقة، فالصحافة والكتابة عندي علاقة عشق وحبّ لا علاقة مهنة وارتزاق وقد وجدت في حبّكن وفي حبّكم الجزاء الوحيد الذي أرغب فيه وأنا على مشارف إنهاء العقد الخامس من الكتابة أولا ومن الصحافة ثانيا..

ربما كان عليّ أن أصدر بيانا أوضح فيه إنتقال المشعل في جريدة «المغرب» ولكنني لم أنجح أبدا في صياغة بيان واحد..

لقد شهدت «المغرب» انتقال مشعل التحرير مع عودتها سنة 2011 من طيب الذكر الشيخ الهاشمي الطرودي لروحه السلام لصاحب هذا الفاصل وهو لم يجد غضاضة في أن يصبح نائبا لي بعد أن كنت أنا نائبه في التجربة الأولى لـ«المغرب» في ثمانينات القرن الماضي.. ومع هذا لم يغادر الشيخ الطرودي «المغرب» وكان دوما - إلى أن ألمّ به المرض - أوّل الحاضرين وآخر المغادرين وكان يراجع المقالات كلها ويكتب بصفة يومية ولم ينقطع عن الكتابة رغم مرضه..

اليوم نخوض تجربة جديدة في انتقال المشعل رغبت فيها شخصيا واقتنعت بها المؤسسة وقبل بهذه المهمة ابن «المغرب» الأستاذ حسان العيادي..

هو تجدد وتشبيب سيزيد «المغرب» تألقا وقوة أما بالنسبة لي التقاعد - وهو حق مشروع لكل من قضى عقود من عمره في الشغل - فليس أفقا أفكر فيه وعلاقتي بـ«المغرب» وبالكتابة لن تنتهي مادام في العقل نظر وفي الجسم قدرة وبصر..

لذلك أنتم مضطرون لتحملي سنوات أخرى قد تطول وقد تقصر حسب مشيئة القدر.

الصحافة مهنة ولا شك، ككل المهن، ولكنها عشق وتوق وهيام كذلك وهي مهنة صعبة في زمني الانغلاق والانفتاح أيضا والتألق فيها ممكن للجميع شريطة أن يهب لها الشخص نفسه وعقله وروحه..

من يعرفني عن كثب يعرف حجم حيائي وعجزي عن التعبير على مشاعر العرفان والاستحسان، لكنني آخذ شجاعتي بكلتى يدي وأقول لكل من حبّر كلمة حبّ وتقدير أن مكانتكم عندي سامية سامقة وأنني أحبكنّ وأحبكم من عميق الفؤاد..

أرجو أن تكون هذه نهاية فواصلي الشخصية..

وغدا لكم موعد مع مقال جديد يعود فيه الصحفي إلى دوره الطبيعي: خادما للخبر وساعيا لوضعه في سياق تفهمي...

دمتنّ ودمتم

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115