لماذا تتمسك أمريكا بالملف السوري ؟

منذ اليوم الأول للحرب على سوريا أدرك الجميع جيداً أن أمريكا هي التي تقود هذه الحرب على سورية، وهي التي تخطط وتنفذ عبر أدواتها المعروفة

من الجماعات المسلحة الإرهابية، حيث أرسِلت أولى طلائعها العسكرية إلى سورية عام 2014 تحت مظلة الحرب على تنظيم داعش، غداة إعلان الأخير عن خلافته المزعومة، ولاحقاً جرى تأطير هذا الوجود الذي بدأ بعشرات الجنود ووصل إلى الآلاف مع مرور الزمن في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي.

ومن المعروف أن سوريا لديها موقع استراتيجي مهم، وهي غنية بالثروات وتمثل موقعاً مهماً في الخارطة الجيو سياسية، ولا يخفى على أحد الأطماع الإستعمارية فيها، ولهذا تحرك الأمريكان والصهاينة وحلفاؤهم لفرض الهيمنة عليها، وخلق مبررات وذرائع من شأنها تهيئة الأرضية المناسبة التي يريدون العمل عليها، من خلال إنشاء قواعد عسكرية جديدة في بلدة الباغوز بريف دير الزور، التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وتدعمها واشنطن، كما تعد محافظة الحسكة مركز الانتشار العسكري الأمريكي الأبرز في سورية، وأغلب القواعد العسكرية موجودة في مناطق حقول النفط والغاز وقوات «قسد».

وعلى الرغم من هذا الهدف المعلن فقد كانت واشنطن -حسب مراقبين تحاول من خلال حضورها العسكري في سورية أن تملك أوراق قوة للتأثير على مصير العملية السياسية في سورية، ولا الدفع الجاد نحو حلّ سياسي ووقف المجازر بحق المدنيين، كذلك حماية وجودها العسكري، وموازنته مع النفوذ الروسي المتغلغل، إضافة للقيام بعمليات عسكرية لمواجهة الجماعات والتنظيمات الإرهابية، ومواجهة التدخلات الإيرانية هناك وقطع الطريق أمامها لتعزيز نفوذها وربطه بكل من العراق ولبنان، إلى جانب فرض نوع من أنواع التوازن مع القوى الإقليمية والدولية الأخرى المنخرطة بصورة مباشرة في الأزمة السورية.

تأسيساً على هذه الوقائع، فإن التواجد العسكري والحضور الأمريكي في سورية يخدم الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة بشكل عام خاصة في ظل توتر العلاقات التركية الأمريكية في ظل الدعم الأمريكي للقوات الكردية المصنفة في داخل تركيا على أنها إرهابية، خاصة وأن الولايات المتحدة تحاول أن تخلق بديلاً استثنائياً عن قاعدة أنجرليك التركية التي تستخدم كمنصة انطلاق العمليات ضد التنظيمات المتطرفة الإرهابية.

وتؤكد الدلالات والمعطيات بان أمريكا لا تتدخل في الشؤون الداخلية الخاصة بالدول العربية من اجل عيون العرب، وإنما للقضاء على قوة هذه الشعوب لمصلحة «إسرائيل» وما حدث ويحدث لسورية ليس من قبيل الصدفة بل هو نتيجة مخطط استعماري صهيوني حتى تكون «إسرائيل» السيد المطاع في الشرق الأوسط فضلاً عن حماية أمنها في المنطقة، كما تعول أمريكا على عامل الوقت واستمرار الخلاف العربي- العربي في الداخل السوري، من أجل ظهور واقع جديد يغيّر وجه سورية ويهدد دول الجوار في الفترة المقبلة.

من هنا كانت الرسالة التي نقلها الرئيس الأسد لكل من يهمه الأمر، واضحة لا لبس فيها، قال في الرسالة: « نحن نحب هذا البلد، ومهما كانت المتاعب والصعوبات، التي نعانيها فيه، فلن نسمح بتخريبه، أو تدميره أبداً، فسورية يعشقها السوريون، ولن يفرطوا أبداً في استقرارها وأمنها، وكما نجح أبناؤها في حرب تشرين التحريرية سينجحون في طرد الإرهاب وأدواته من سورية».

في الاتجاه الآخر، يعرف ترامب أنه في ورطة كبيرة إذ لا يستطيع أن يمنع الجيش السوري من تحرير المنطقة من عصابات الإرهاب وفي نفس الوقت يدرك عواقب فشله في مغامرة غزو سوريا، ويعرف العواقب الوخيمة التي سترتد على قواته المتواجدة فيها وفي المنطقة التي تعددت فيها مغامراته اللامسؤولة ، بالتالي سيبتلع ترامب مرغما ما تلقاه من هزائم حتى الآن، وسيتقبل بحدود الدور المقرر له بعد التطورات الميدانية في سوريا، كما يعرف أن القادم أصعب بالنسبة له لكونه يدرك أن التراجع في سوريا يعني الهزيمة الصعبة التي وصلت إليها مغامراته في سوريا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا