في ضوء احتدام الصراع الإقليمي والدولي... ليبيا إلى أين؟

قَلَبَ التَدَخُلُ التركيُ العسكريُ القويُ المتكون من فرقاطات على السواحل وطائرات مسيرة والعديد من الضباط الأتراك وآلاف المرتزقة

الإرهابيين في شهر افريل الماضي، المعادلة استراتيجيًا لمصلحة قوات حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، حيث حققتْ، في الفترة الأخيرة، سلسلة انتصاراتٍ في مواجهة قوات اللواء المتقاعد حفتر، أبرزها تحريركامل الحدود الإدارية للعاصمة طرابلس، ومدينتي ترهونة وبني وليد، وكامل مدن الساحل الغربي، وقاعدة «الوطية»الجوية، وبلدات بالجبل الغربي، وتقدمها للسيطرة على مدينتي سرت والجفرة.

وكانت لهزيمةِ حفترفي طرابلس تأثيراتٌ كبيرةٌ على مشهدِ النزاعِ في ليبيا، إذْ أثار تقدم قوات حكومة الوفاق نحو مدينة سرت ردود فعلٍ غاضبةٍ من جانب الأطراف الإقليمية الداعمة للواء المتقاعد خليفة حفتر، فقد هدَّدَ الرئيس المصري،عبد الفتاح السيسي، بتدخلٍ عسكريٍ مباشرٍ لمنع حكومة الوفاق في طرابلس من السيطرة عليها، وهو ما أثار توترًا شديدًا في المنطقة. فقد وقف السيسي، في إحدى القواعد العسكرية في صحراء مصر الغربية، التي تم تطويرها بأموال إماراتية وخبرات روسية، وعلى بعد أكثر من ألف كيلومتر من مدينتي سرت والجفرة الليبيتين، وأعلن مهدّداً ومتوعداً أنَّ هاتين المدينتين خطٌ أحمر.

خلفيات الصراع من أجل السيطرة على سرت و الجفرة
تُعَدُّ سرت والجفرة مدينتين استراتيجيتين في ليبيا. فالبعد الاستراتيجي للسيطرة على مدينة سرت مهمٌ لحكومة الوفاق وتركيا، نظرًا لوجود قاعدة بحرية ذات موقعٍ مهمٍ في غرب البحر الأبيض المتوسط، وكذلك الأمر للجفرة لكونها تضم قاعدة جوية مهمة، ناهيك عن أنهما تشكلان نقطتي ارتكاز الهلال النفطي. وتشكل السيطرة على سرت ورقة في غاية الأهمية على الصعيدين الداخلي والدولي، وورقة اقتصادية رابحة، نظرًا لقيمة الهلال النفطي على صعيد إنتاج النفط الليبي وتصديره، حتى على الرغم من تراجع الإنتاج. وورقة ضغط سياسية، تُوَظِفُهَا القوة المنتصرة في الصراع من أجل تحسين شروط العلاقة مع الدول الكبرى، لا سيما دول الاتحاد الأوروبي وشركاتها النفطية التي تفضل النفط الليبي لجودته العالية، وقرب الهلال النفطي من الموانئ الأوروبية.

تريد تركيا السيطرة على ليبيا لحلِّ مشكلة الطاقة (النفط و الغاز) لتطوير اقتصادها، حيث تطمح إلى أن تصبح الاقتصاد العاشر في العالم خلال السنوات القادمة، ولكي تتحرّر أيضًا من اعتمادها حاليا، على روسيا في تأمين 60 % من احتياجاتها من الطاقة، وعلى إيران بنسبة 20 %.

وتُعَدُ المنطقة الساحلية المطلة على البحر المتوسط، والتي صار متعارفًا على اعتبارها منطقة الهلال النفطي في ليبيا، وهي تمتد على شريط ساحلي طوله مئتان وخمسة كيلومترات من مدينة السدرة غربًا إلى طبرق شرقًا، أهم منطقة استراتيجية نفطية في ليبيا، إذ تتمدّد بين مدينتي بنغازي وسرت، على مساحةٍ تقدر بنحو أربعمئة كيلومتر مربع، وتحتوي على كميات كبيرة جداً من النفط، حيث تحتوي ما نسبته 80 % من احتياطات ليبيا النفطية. كما أنَّ المنطقة تضم أهم مصافي النفط ومنشآت التكرير، وأهم موانئ تصدير النفط الليبي، الزويتينة،البريقة، رأس لانوف، والسدرة، والأخيران يصنّفان أكبر ميناءين لتصدير النفط في الشرق الأوسط، فميناء السدرة كان يصدر نحو 50 % من إجمالي إنتاج ليبيا من النفط الذي كان يتجاوز مليونا و600 ألف برميل يوميا. ليأتي ميناء رأس لانوف ثانيا بعده. أما ميناء البريقة فيعد منطقة صناعية نفطية. ويمثل حوض سرت الحوض النفطي الأكبر في الهلال، إذ يضم 80 % من احتياطات النفط في ليبيا و19 خزانا بسعة 6 ملايين برميل من النفط. وتبلغ سعة حقل الزويتينة النفطيي(018كيلومترا غرب مدينة بنغازي)، نحو ستة ملايين ونصف مليون برميل، لكنَّ عمليات تكرير النفط متوقفة فيه. ويقدر حجم الثروة النفطية في ليبيا بأكثر من 45 مليار برميل من النفط و52 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى في أفريقيا متقدمة على نيجيريا.

وتبعد سرت نحو ألف كيلومتر عن الحدود المصرية، وتقع في منتصف المسافة تقريباً بين مدينتي طرابلس وبنغازي على ساحل ليبيا على البحر المتوسط (450 كيلومترا من العاصمة طرابلس و600 كلم من بنغازي)،والسيطرة عليها تُعطي أفضلية للسيطرة على الموانئ النفطية في منطقة الهلال النفطي في الشرق الليبي، التي تضم أكبر مخزون للنفط في البلاد، ويمتد شمالًا إلى مسافة 295 كيلومترًا من مدينة إجدابيا (160 كيلومترًا جنوب بنغازي) إلى مدينة بن جواد (155 كيلومترًا شرق سرت) ويمتد جنوبًا إلى منطقة السرير بمسافة تزيد قليلًا على 800 كيلومتر، وفي منطقة سرت قواعد عسكرية مهمة، مثل قاعدة القرضابية الجوية التي تبعد عن جنوب سرت 16 كيلومترا، بالإضافة إلى أن سرت غرفة عمليات رئيسة لقوات اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، ويعد مطار المدينة وميناؤها من أهم المنافذ الرئيسية في ليبيا على ساحل المتوسط.

أما مدينة الجفرة فتقع فيها قاعدة الجفرة الجوية المهمة، التي تفرض الإمارات سيطرتها عليها، وانطلقت منها عمليات عسكرية عديدة ضد حكومة الوفاق، وتُعد من أكبر القواعد الجوية الليبية، وتتميز ببنيتها التحتية القوية التي تم تحديثها إماراتياً بدعم روسي، لكي تستوعب أحدث الأسلحة والطائرات، وهي أيضاً من غرف العمليات الرئيسية لقوات حفتر. وتبعد الجفرة جغرافياً نحو 650 كيلومترا جنوب شرقي طرابلس، وهي أحد أهم محاور الربط العسكري بين الشرق والغرب والجنوب. ومن شأن السيطرة عليها تسهيل السيطرة على نصف مساحة ليبيا تقريباً (مساحة إقليم برقة 855 ألف كم2، من إجمالي مساحة ليبيا 1.76 مليون كم2).

الأطماع التركية وتبادل السيطرة على الهلال النفطي
تتمثل الاستراتيجية‭ ‬التركية العامة و الشاملة في السيطرة على مصادر الطاقة من النفط والغاز في شرق المتوسط، ولا سيما نهمها على النفط الليبي، وضمان التواجد في قاعدة مصراتة البحرية، وقاعدة الوطية الجوية القريبة من الحدود التونسية ،إضافة إلى دعم حركات الإخوان المسلمين في دول المغرب العربي، ،بعد أن أصبحت تركيا عنصرًا أساسيًا من عناصر المشهد الجيوسياسي على جميع الأصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية في المنطقة.‬

فتركيا العضو في حلف الناتو، والشريك الأساسي للكيان الصهيوني، وقع رئيسها رجب طيب أردوغان، مع رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية فائز السراج في 27ت نوفمبر 2019،مذكرتي تفاهم حول التعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود البحرية بين البلدين في البحر الأبيض المتوسط، لحماية حقوقهما النابعة من القانون الدولي، الأمر الذي يحول تركيا إلى قوة بحرية مهمة في المنطقة، بعد أن زادت مساحة منطقتها الاقتصادية الخالصة بنحو 100 ألف كم مربع. وفي أعقاب هذه الخطوة الفارقة، بدأ الملف الليبي يشهد تغيرات متسارعة، نظرًا للتدخل العسكري التركي المؤازر لحكومة الوفاق، مما مكن قوات هذه الأخيرة المدعومة بالطيران التركي والمستشارين العسكريين من فك الحصار على طرابلس، والتقدم حتى مدينة سرت.

فخلال سنتي 2016 - 2018،شكل استيلاء قوات اللواء خليفة حفتر على أربعة موانئ نفطية في منطقة الهلال النفطي الليبي، الفاصلة بين شرق البلاد وغربها شمالاً، تحولاً استراتيجياً في الصراع السياسي على السلطة. ويقود حفتر، الحليف السابق للقذافي، حرباً في شرق ليبيا، منذ ماي 2014،تَمَكَّن خلالها من السيطرة على قطاعات من بنغازي ومناطق أخرى، لكنَّه لم يتوصل إلى نتائج كبيرة مقارنة بطول فترة الحرب التي لم تتوقف بعد.

وفي المقابل، توجد القوات الموالية للمجلس الرئاسي الذي يترأسه فايز السراج في المدن الواقعة غرب ليبيا، لكن حفتر ومُوَالِييهِ السياسيين في البرلمان لا يعترفون بحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ويعدون القوات الموالية لها “مليشيات إرهابية”، إذ تمّ منع أي تصويت برلماني في الشرق لمنح الثقة لحكومة الوفاق مع تحدّي اتفاق الصخيرات الذي تم بوساطة الأمم المتحدة لتوحيد ليبيا.

على الصعيد الإقليمي، يحظى حفتر بدعم قوي من مصر والإمارات المناهضتين لتنظيم الإخوان المسلمين، حيث يرى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مقاربته للأزمة الليبية، أن لديه ثلاثة ثوابت في المشهد الليبي: ضمان مكانة معتبرة لحفتر، وتقليص نفوذ “الإخوان المسلمين” في حكومة الوفاق ولجنة المصالحة الوطنية، والاعتماد على جيش حفتر فقط في تأمين الحدود الليبية، والاعتداد به جيشاً وطنياً للبلاد.

إلى أين يتجه الصراع في ليبيا؟
أين يتجه الصراع في ليبيا، في ضوء التداعياتِ السياسيةِ لهزيمةِ حفتر في طرابلس؟ من المرجّحِ أن يترتبَ على ذلك إعادة تنظيمٍ واسعة النطاقِ للولاءاتِ والتحالفاتِ. وعلى الرغمِ من دعمِ تركيا وروسيا لطرفين ليبيين متعارضين، إلا أنّهما قادرتانِ على الاتفاقِ –على النقيضِ من الداعمين الأجانب الآخرين لحفتر،أي مصر والإمارات العربية المتحدة، اللذين يعارضان بشدة التدخلَ التركي في ليبيا. وهذا يثيرُ إمكانيةَ التوصلِ إلى اتفاق تركي-روسي لتقسيمِ ليبيا إلى مناطقِ نفوذٍ، وتهميشِ القوى الأجنبية الأخرى.

ويرى الخبراء الملمون بالشأن الليبي،أنَ أي اتفاق تركي-روسي سيهمش الداعمين الآخرين لحفتر –الإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا- ويقوّي تركيا،التي تعارضُ الدول الثلاث السابقة سياساتها الإقليمية. وما مبادرةُ وقفِ إطلاقِ النار التي قدمتها مصر في 6 جوان 2020 إلا محاولة لاستعادةِ أهميتها وإحباط صفقة تركية-روسية.

وفي هذا السياق ،قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، في مقابلة مع قناة «سي أن أن التركية»، إنَّه ومن أجل ضمان وقف إطلاق نار دائم بليبيا، المطلوب من كافة الأطراف الفاعلة العودة لاتفاق عام 2015 (الصخيرات)، وبموجب ذلك على مليشيا حفتر الانسحاب من سرت والجفرة، مضيفا: «بات حفتر مصدر خطر لليبيا، وبدعم من فرنسا يخوض دورا فوضويا».
وأشار إلى أن روسيا ما زالت مستمرة بدعمها لحفتر، وأنقرة ستواصل إيصال وجهة نظرها بهذا الشأن إلى موسكو.وأضاف أنَّ الولايات المتحدة، دعمت بالبداية حفتر، ولكنَّ عندما اقترب الأخير من روسيا، تراجعت عن ذلك، مشيرًا إلى أنَّ واشنطن مترددة بإبداء دور حاسم بليبيا.

وأكد المسؤول التركي، أنَّ بلاده على تواصل مع جميع الدول ذات العلاقة للتوصل لوقف إطلاق نار دائم في ليبيا. وأضاف قائلا: «على الذين يريدون عزل تركيا أنْ يُدْرِكُوا أنَّه من غير الممكن القيام بأي خطط بشرق المتوسط بدونها، ولا أحد يستطيع القيام بأي لعبة بدونها، ومن يحاول ذلك سيتلقى الرد اللازم».
وتسعى الدبلوماسية الأمريكية في إطار استعادة زخم مسار مؤتمر برلين، وإطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات الليبية - الليبية القائمة في إطار اللجنة العسكرية المشتركة 5+5،بهدف التوصل إلى اتفاق رسمي وشامل ودائم لوقف إطلاق النار تحت رعاية الأمم المتحدة.

ويبدو أنَّ قلق واشنطن من تحرّكات موسكو يتصاعد. وليس بلا معنى تصريح قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال ستيفن تاونسند، أواخر الشهر الماضي (ماي ) أن روسيا تسعى إلى قلب الميزان لصالحها في ليبيا، كما فعلت في سوريا. وغير بعيد من ذلك تصريح المتحدث باسم وزارة الدفاع ي (البنتاغون)،جوناثان هوفمان،أنَّ الطائرات المقاتلة التي أرسلتها روسيا لدعم حفتر، تمركزت في قاعدة الجفرة وسط ليبيا، وعددها 14 مقاتلة، وهي مزيج من «سوخوي 24»، و«ميغ 29».

وتعتبر تركيا أنَّ «السياسات الأمريكية الخاطئة» في سوريا منحت روسيا نفوذًا في المياه الدافئة، وأصبحت لديها قاعدة على البحر الأبيض المتوسط، معتبرة أن واشنطن تكرر الخطأ ذاته الآن في ليبيا. وترى أنقرة أنَّ روسيا أصبح لديها صوت مسموع في غرب البحر الأبيض المتوسط، بسبب البعد الأمريكي عن التطورات المتلاحقة في ليبيا، وفي الوقت ذاته تواجه تركيا صعوبة كبيرة بالدفع بالدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة إلى القيام بدور في الدولة الأفريقية.

وترى أنقرة بأن روسيا أصبحت الدولة الثامنة إلى جانب الدول السبع بما فيها تركيا، ذات النفوذ في البحر الأبيض المتوسط. وأكدت أن خروج روسيا من سوريا أصبح مستحيلا، ولن يتم ذلك إلا بحرب عالمية ثالثة، والآن حققت حلمها القديم بأن يكون لها نفوذ في المياه الدافئة، وذلك بسبب «الأخطاء الأمريكية.»». وأشارت إلى أنه إذا تكررت أخطاء الولايات المتحدة في ليبيا، فإن روسيا ستكون لها سيطرة أكبر على غرب البحر الأبيض المتوسط هذه المرة.

توفيق المديني 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا