فجر يوم جديد في اليونان: هزيمة «سيريزا» تؤكد تقهقر اليسار في أوروبا

بعد نجاحه في الانتخابات الأوروبية، تمكن «كيرياكوس ميتسوتاكيس « زعيم حزب الديمقراطية الجديدة اليميني من تحقيق فوز ساحق أمام حزب

«سيريزا» اليساري الراديكالي بحصوله على 40 % من الأصوات و 158 نائبا على 300 التي تمنحه الأغلبية المطلقة في البرلمان. هزيمة الوزير الأول «ألكسيس تسيبراس» تأتي لتؤكد تقهقر الأحزاب اليسارية بعد الانتخابات الأخيرة في إيطاليا و فرنسا وألمانيا و غيرها من البلدان الأوروبية .
«كيرياكوس» ، كما يسميه اليونانيون، وجه جديد في السياسة سليل عائلة سياسية شاركت في حكم البلاد خلال العقود الأخيرة. أبوه، «كونستونتينوس ميتسوتاكيس» شغل منصب وزير أول بين 1990 و 1993، أخته تقلدت عدة مناصب وزارية و ابنها هو اليوم عمدة العاصمة أثينا. صعد «كيرياكوس» إلى رئاسة حزب الديمقراطية الجديدة لتحويله إلى آلة سياسية في خدمة رجوع اليمين إلى الحكم. و نجح، رغم العراقيل داخل حزبه خاصة المتأتية من شق «كرامنليس».

انطلاقة جديدة لليونان؟
شكلت الأزمة الإقتصادية والمالية اليونانية المسألة الأم بالنسبة للإتحاد الأوروبي بعد اندلاع أزمة 2008 المالية التي أوشكت على هز النظام المالي الموحد في أوروبا. وتدخلت العواصم الأوروبية وصندوق النقد الدولي لإنقاذ اليونان. وأسفر ذلك على صعود حزب «سيريزا» الراديكالي الذي تولى إدارة الخروج من الأزمة تحت امرة ورقابة الترويكا المتكونة من المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي و البنك المركزي الأوروبي. هذا الوضع أدى إلى توخي «نهج إصلاحي» تقشفي أثر تأثيرا سلبيا على القدرة الشرائية لليونانيين.

اليوم، وبالرغم من الأرقام الإيجابية للاقتصاد اليوناني، اختار الناخبون رجوع اليمين تحت زعامة «كيرياكوس» الذي وعد بـ«يوم جديد لليونان» يخرجه من الوضع المتردي الذي هو فيه. ونجح الزعيم اليوناني في تشكيل قائمات انتخابية شملت 72 % من الوجوه الجديدة و ضمنت 30 % من المرشحين سنه لا يتجاوز 45 سنة. عملية التشبيب و التجديد أعطت للناخب اليوناني أملا في انطلاقة جديدة تستغل فيها قدرات «كيرياكوس» الذي هو خريج جامعتي «هارفارد» و«ستانفورد» الأمريكيتين. وهو معروف بقدراته الذهنية وسلاسة تمرير مواقفه وفرض «رجاله» بدون مشاكل. ويقارنه الملاحظون بصعود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لما للرجلين من مهارة في جلب الكفاءات ولم الصفوف حوله.
ركيزتين أساسيتان جلبت له التعاطف وضمنت الأغلبية: مساندته للاقتصاد اليوناني وخاصة للتجار الذين عانوا من الأزمة، و حصوله على مساندة الكنيسة اليونانية التي هي فاعل اقتصادي هام في البلاد. زد على ذلك موقفه الرافض للاتفاق مع مقدونية في خصوص مشاركتها في تسمية البلاد مع مقاطعة مقدونية اليونانية مما حرك الشعور القومي لفائدته بالرغم من مشاركة اليمين القومي في حكومة «سيريزا».

معارضة يسارية قوية
بالرغم من خسارته سوف يشكل حزب «سيريزا» معارضة قوية للحزب الحاكم الجديد بتمركزه خلف حزب الديمقراطية الجديدة. لكن المد اليميني في أوروبا، و الذي تجسد في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، فرض واقعا جديدا و مشهدا سياسيا يحكمه زعماء شبان النمسا وإيطاليا و البلدان الشرقية وهي موجة تتماشى و عزوف الناخبين عن مساندة الأحزاب التقليدية و تلك التي لم تجدد طاقمها و برامجها لمواكبة المرحلة الأوروبية القادمة الواعدة بإصلاحات حاسمة في الإستراتيجيات و البرامج.

خسارة «تسيبراس» فسرها الملاحظون بسياسته القوية لفرض إجراءات أليمة أثرت في مستوى الدخل و العيش للطبقات الضعيفة و مست خاصة المتقاعدين الذين شهدوا جرايتهم تخسر 50 % من قيمتها. على المستوى السياسي، لم تستحسن عدد من التنظيمات اليسارية تحالف «تسيبراس» مع اليمين القومي المتطرف لتشكيل الحكومة مع تفهمهم لخطورة الوضع وتقديرهم لشجاعة الزعيم اليساري. الناخب اليوناني في 2019 اختار الرجوع إلى الإدارة اليمينية للشأن العام و إن فلح اليسار الراديكالي في تطبيق إجراءات مالية يمينية مفروضة من قبل الترويكا الراعية مكنت الاقتصاد القومي من استرجاع عافيته.

الوزير الأول الجديد «ميتسوتاكيس» أسرع في تشكيل حكومة احترمت التوازنات الداخلية لحزبه بين ليبراليين و محافظين و قوميين. عدد من الحقائب السيادية رجعت لوزراء لهم خبرة في آخر حكومة لحزب الديمقراطية الجديدة. تشكيلة سوف تدخل مباشرة في مفاوضات مع الترويكا الداعمة من أجل تخفيف الضغط الجبائي. «صوفية زاكاراكي» المتحدثة الرسمية باسم الحزب الحاكم أكدت احترام الحكومة لوعودها المتمثلة في الحد من المديونية( 0180 % من الداخل القومي الخام) و«تخفيض الضريبة على الممتلكات العقارية والضريبة المفروضة على المؤسسات الاقتصادية من أجل مضاعفة نسبة النمو». الملاحظون في العاصمة أثينا يعتقدون أن نجاح «كيرياكوس ميتسوتاكيس» ليس في الحقيقة مساندة لأفكاره بقدر ما هو تصويت عقابي ضد «سيريزا». و أن على الوزير الأول الجديد رفع تحدي أخذ إجراءات تعطيه شعبية حقيقية تمكنه من تطبيق برنامجه الانتخابي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا