دستور الجمهورية الجديدة : الدولة ...فوق الجميع

قضى جزء من التونسيين يومهم أمس وهم يحاولون تتبع فتات الخبز الذي نثر على الارض عله يقودهم إلى معرفة ما يحمله لهم مشروع الدستور الجديد،

فقادتهم خطاهم الى التصريحات الصادرة عن الرباعي الذي اطلع على الدستور، رئيس الدولة والعميد السابق صادق بلعيد وامين محفوظ وعميد المحامين ابراهيم بودربالة.
وجد من بحث عن معرفة ما قد يحمله الدستور الجديد في تصريحات رئيس الجمهورية امس البعض من الاجابات الموجزة، من قبيل ان المشروع المنتظر عرضه على الاستفتاء في 25 جويلية القادم لن ينص على دين للدولة التونسية وانما سيقتصر على الاشارة الى «دين الامة».
فالرئيس وفي تصريحاته الصحفية على هامش زيارته لمطار تونس قرطاج لتوديع بعثة الحج التونسية اشار الى ان الدستور القادم لتونس «لن يتحدث عن دولة دينها الاسلام بل يتحدث عن امة دينها الاسلام»، بعد ان قدم شرحا تمهيدا تحدث فيه عن تاريخ تحديد دين للدولة في الدساتير واسبابه وتفاصيل اخرى تعلقت بالمقاصدية في الاسلام.
تقديم الرئيس لبعض من مضامين الدستور الجديد لم تقتصر على حسم الجدل الذي اثير بشأن تحديد هوية الدولة ودينها في الدستور بل شمل تقديما لبعض ملامح النظام السياسي في مشروع الدستور لا بالطريقة المعتادة حول ما اذا كان نظاما رئاسيا او برلمانيا او بينهما، بل باعادة تشكيل خارطة المفاهيم برمتها في علاقة بالدولة والسلطة والوظيفة.
فنظام الحكم المنتظر كما ينص عليه الدستور القادم رسم ليضمن وفق تلميحات الرئيس ومضمون تصريحه الصحفي لحماية «وحدة الدولة» وانهاء حالة التفكك التي اصابتها منذ اعتماد دستور 2014. وهنا يقول الرئيس ان نظام الحكم سيقوم على «الوظائف» لا على السلطة. فلن تكون هناك سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية بل ستكون وظائف تشريعية وقضائية وتنفيذية، اما السلطة فهي لصاحب السيادة وهو الشعب.
سيادة الشعب والفصل بين الوظائف ووحدة الدولة ودين الامة هو ما قدمه الرئيس في تصريحه، وهو ليس الوحيد الذي كشف عما حمله المشروع الجديد من افكار وبنى، اذ كشف ايضا كل من العميد الصادق بلعيد وأستاذ القانون امين محفوظ وعميد المحامين ابراهيم بودربالة عن تفاصيل متقاطعة مع ما كشفه الرئيس.
فقد كشف الصادق بلعيد رئيس الهيئة الاستشارية ان مشروع الدستور اعاد احياء النظام الرئاسي في تونس، وان الرئيس سيكون على راس «الوظيفة التنفيذية» وهو من سيعين الوزير الاول والحكومة، اما البرلمان فسيكون غرفة تشريعية تصدر القوانين وتصادق عليها في اطار وظيفي.
هذا التنظيم الجديد يشير اليه ايضا الامين محفوظ الذي يضيف ان المشروع حمل ما وصفه بـ«أسلحة متوازنة» تحول دون صدام بين مؤسسات الدولة، والقصد هنا الجهاز التنفيذي والتشريعي- كما ان المشروع نص على ضمان المسؤولية والمساءلة وتوفير ضمانات القضاء العادل دون تاسيس لدولة القضاء.
نظام لا تتضح منه غير قمته، وهو انه سيكون رئاسيا يمنح فيه الرئيس صلاحية تعيين الحكومة وعزلها وتحدد فيه وظيفة البرلمان في المصادقة على مشاريع القوانين التي تحال اليه سواء من الرئاسة او الحكومة او من المجلس الاجتماعي والاقتصادي المزمع احداثه وفق الدستور الجديد.دون هذا لا توجد اية معطيات واضحة او شافية عن كيفية توزيع السلطة والحكم واليات الرقابة التي تتبع ولا دور الهيئات الدستورية ان وجدت. اذ ان التصريحات الصادرة امس لمن اطلع على الدستور كانت حريصة على عدم الكشف عن الكثير منه بل بالخطوط العريضة، والتي من بينها مركزية الدولة كما اشار اليها ابراهيم بودربالة وفسرها بان الدولة ستكون فوق «السلطة/الوظيفة» اي ان من سيمسك بالوظائف الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية ستكون في خدمة الدولة.
وهنا لا تشرح هذه الفكرة القائلة بمركزية الدولة التي يشير اليها بدربالة ويشير الرئيس الى وحدتها والقصد هو وحدة ادارتها وحكمها، ليترك الامر على غموضه الي يثير مخاوف من ان يكون النص حاملا لمفاجأة غير سارة تحت هذا العنوان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا