رمضان في تونس: من الروحانيات إلى السياسات العمومية

بحلول شهر رمضان من كل عام، تدخل تونس

طورا زمنيا مغايرا عن باقي أشهر السنة، يعيد فيه ترتيب إيقاعها الاجتماعي و الثقافي والرمزي على نحو يكاد يكون شاملا، اذ تتغير فيه ديناميكيات الفضاء العمومي وتتشكل معه شبكة كثيفة من التفاعلات اليومية التي تمنح الشهر طابعا جماعيا يتجاوز البعد التعبّدي الصرف، الى تجربة اجتماعية ممتدة زمنيا تتفاعل فيها أنماط العيش والقيم والتمثلات، بما يمنح فرصة سنوية لإعادة تشكيل السلوك الجماعي.

لفهم البعد العميق لهذه التجربة، قد يكون الاستئناس برؤية إميل دوركهايم المنشورة في كتابه «الأشكال الأولية للحياة الدينية» مهما ويسمح بفهم الدين كظاهرة اجتماعية أساسية لا فردية، ظاهرة تشكل الوعي الجمعي وتنظم الحياة الجماعية من خلال الطقوس التي تنتج تضامن وتعزز الشعور بالانتماء باعتبار ان الطقوس ليست مجرد ممارسة تعبدية وروحية، بل آلية لإعادة بناء جماعية للقيم المشتركة.

وهذه الخصوصية تتعظم في شهر رمضان الذي يمتاز عن باقي الطقوس بان امتداده على مدى شهر كامل يعاد فيه تنظيم الزمن اليومي للفرد والمجموعة، ويعاد فيه تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة، ويغدو الشعور بالانتماء أكثر كثافة في الفضاءات المشتركة ولا يقتصر الامر على الأسرة فقط بل يمتد الى الحيّ فالمدينة ذلك ان الزمن يراد خلال هذا الشهر بمنطق جماعي لا فردي.

والامتداد ليس مجالي بل مجتمعي ايضا، اذ ان كل المجتمع بمن فيهم من لا يصومون، بحكم الاختيار أو الضرورة، يجدون أنفسهم منخرطين في هذا النسق العام متأثرين به ومؤثرين فيه، بما يؤكد أن رمضان ليس ممارسة فردية منعزلة، بل حالة اجتماعية كلية تؤثر في الجميع بدرجات متفاوتة. ففي هذا الامتداد الزمني لا يختزل الأمر في الصوم كممارسة تعبّدية فردية، بل هو اشمل اذ يمثل إطار ناظم للسلوك الجمعي، تعاد داخله صياغة معايير التضامن والانضباط والمشاركة. وبهذا يصبح رمضان فرصة تسمح بتكوين عادات وإن كانت مؤقتة الا انها قابلة للترسخ ان توفرت الشروط الموضوعية.

هنا شهر رمضان يصبح ن فرص يفترض ان تستثمرها الدولة – بوصفها الكيان الذي يحتكر تنظيم الحياة الجماعية ويضبط قواعد العيش المشترك – حينما تدرك انها امام لحظة اجتماعية كثيفة الدلالة وليس شئنا تعبديا تراقبه وتراقب كيف يختزل في مستوى الشعور والانفعال الذي يتبدد بانقضاء الظرف الرمزي اي انقضاء رمضان.

هنا تبرز مسؤولية الدولة، لا بوصفها جهاز ضبط إداري فحسب، بل باعتبارها الكيان المفوض من الشعب لصياغة سياسات عمومية تحوّل اللحظات الجماعية إلى رصيد قيمي مستدام. فالدولة مطالبة، خلال هذا الشهر، بتكثيف حضورها القيمي والتربوي، عبر مبادرات تعزز ثقافة التضامن المنظم، واحترام الفضاء العمومي والانضباط الطوعي، وقبول الاختلاف وحرية الضمير، اي ان تستثمر في المناخ الروحاني الذي يميز شهر رمضان وما يوفره من أرضية نفسية واجتماعية ملائمة لترسخ سلوكيات مواطنية مدنية.

والامر هنا لا يختزل في إضفاء طابع وعظي على السياسات، بل بوضع مقاربة عقلانية تستثمر الاستعداد الجمعي للالتزام متوسط المدى من اجل تعزيز الثقة والقييم وترسيخ البعد التضامني بين افراد المجتمع وربط الممارسات التعبدية بالمسؤولية واحترام الوقت، وجودة الأداء في العمل، وغيرها من القييم التي يمكن ترسيخا ان استثمرنا في حقيقة ان شهر رمضان يمنحنا فضاء تربوي عملي يمكن فيه ان تتنزل المواطنة كممارسة يومية و تترسخ. بنسق تراكمي يعيد بناء رأس المال الاجتماعي على المدى الطويل.

فرهان الدولة هنا ليس رهان الافراد الذي يختزل في الطابع الشعائري للتجربة، رهان الدولة يكمن في في قدرتها على إنتاج أثر مدني مواطني يتجاوز الزمن المحدود. وان تترجم الكثافة الرمزية للشهر إلى سياسات عمومية متماسكة تعيد تشكيل القيم المشتركة.

بهذا المعنى، يصبح رمضان موردا اجتماعيا واستراتيجيا ولحظة يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، على أساس من الانضباط الواعي، والتضامن المنظم، والمسؤولية المتبادلة.

والسؤال هنا تحسن الدولة التونسية استثمار هذه اللحظة الجماعية بوصفها فرصة لإعادة البناء، أم تختزلها في كونها ممارسة تعبدية فردية سنوي لا أثر تراكمي لها في مسار المجتمع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115