يوسف الشاهد في خطاب نيل الثقة: الإقناع في المصارحة... في انتظار إجراءات الإنقاذ العاجلة

من استمع يوم أمس لخطاب نيل الثقة لرئيس الحكومة المكلف لا يمكنه إلا أن يلحظ التغير الكبير في الأداء التواصلي على رأس السلطة التنفيذية: وضوح في الأفكار وإقناع في التبليغ وقدرة على المراوحة بين القراءة والارتجال وصدق واضح في النبرة وهذه كلها خصال ضرورية، وإن لم تكن كافية، لقيادة البلاد في هذا الظرف الدقيق بالذات...

ولكن ثمّة إشكال منذ البداية وهو أن الوضوح المرقّم في تشخيص وضع البلاد لم يصحبه نفس الوضوح في الإعلان عن السياسات العمومية الكفيلة بإصلاح هذه الاختلالات...

نبدأ بلحظة المصارحة في خطاب نيل الثقة لعل الرقم الأهم والأخطر الوارد في خطاب يوسف الشاهد هو أن العجز الحالي لميزانية الدولة سيبلغ في موفى هذه السنة 6500 مليون دينار منها 2900 غير مبرمجة في قانون المالية لــــ 2016 يعني أن حكومة الحبيب الصيد التي قالت لنا أن الوضع صعب ولكنه تحت السيطرة قد أخفت عنا – حسب علمنا – هذا العجز الإضافي في المالية العمومية والناجم عن عدم تطابق التوقعات الأولية مع النتائج المنجزة على مستوى الموارد الذاتية للدولة...
الرقم الثاني الهام هو أن نسبة النمو المتوقعة لسنة 2016 بعد أن كانت 2,5 % ثم خفضت إلى 2 % فـــ إلى 1,8% لن تتجاوز على الأرجح 1,5 %...
ولكن الرقم المفزع حقا هو بلوغ نسبة تداين البلاد 62,1 % في حين وعدتنا الحكومة المنتهية ولايتها بألا تتجاوز على الأقصى 55 %.

نذكر بهذه الأرقام بعض المتباكين على حكومة نصف الكأس الملآن والتي اختارت سياسة النعامة على الجرأة والمصارحة والإصلاح... لا بد أن نعي جميعا ما معنى أن حجم مديونية البلاد قد ازداد خلال ست سنوات فقط بثلاثين مليار دينار أي أكثر من ميزانية الدولة للسنة الحالية !! وأن ننتقل من نسبة تداين (حجم الدين على الناتج الإجمالي الخام) في حدود 40,7 % إلى 62,1 % متجاوزين بذلك الخط الأحمر الذي نبّه إليه عديد الخبراء في السنوات الفارطة... فاليوم لم نتحكم في تداين الدولة التونسية بل أصبح التداين هو الذي يتحكم في إمكانيات الدولة وتوجهاتها العامة...

مع ذلك فسيرتفع الإنفاق العمومي خلال السنة القادمة فيما يتعلق بكتلة الأجور من 13,4 مليار دينار إلى ما يتجاوز 15 مليار دينارا (نعم هكذا !) كل هذه الأرقام معروفة في بعض الدوائر الاقتصادية وقد أتينا عليها يوم أول أمس ولكن الفرق شاسع بين أن يُقال هذا التشخيص في الإعلام وبين أن يقوله رئيس الحكومة المكلف في خطاب منح الثقة على رؤوس الأشهاد...
بعد هذا الجرد الدرامي للوضعية المالية للبلاد يقول يوسف الشاهد أنه لو لم نقم بأي شيء فستضطر الدولة إلى سياسة تقشفية سنة 2017 سياسة قوامها تسريح موظفين والتقليص الكبير من الاستثمار العمومي في التنمية... أي سياسة تعمق المشكلة دون أن تضع آفاقا ملموسة لحلها...

لكن ما غاب عن خطاب منح الثقة هو الإعلان عن السياسة الفعلية القادمة للحكومة لوضع حد لنزيف المالية العمومية... هنالك إيحاءات متناثرة ولكن العهد الذي يريده رئيس الحكومة مع الشعب يقتضي التصريح لا التلميح والإعلان عن سياسة متكاملة ومرقمة كميا وزمنيا... وهنا بقينا في حالة انتظار نتأوّل بعض القول دون يقين... وما فاقم حالة التوقف هذه إعلان الشاهد إعداد ميزانية تكميلية لــ 2016 والحال أن الحكومة مطالبة دستوريا بتقديم ميزانية 2017 قبل يوم 10 أكتوبر القادم... فهل ستتمكن مصالح وزارة المالية من إعداد ميزانيتين في ظرف شهر واحد؟ ! وألا يُخشى من هذا الالتزام الإضافي عدم القدرة على مراجعة جدية لمشروع ميزانية السنة المقبلة التي وضعتها الحكومة المنتهية ولايتها؟ !

صحيح أن هنالك عجزا إضافيا بحوالي 3 مليار دينار في ميزانية 2016 ولكن قد يكون من الأجدى الانكباب منذ الآن على قانون المالية لـــ 2017 وخاصة في جانبه الجبائي المحتاج إلى إصلاح جذري وعميق حسب ما وعد به يوسف الشاهد ذاته بدل تشتيت الجهد بين ميزانيتين إذ بالإمكان إرجاء الميزانية التكميلية لسنة 2016 إلى ما بعد الإعداد الجيد للميزانية القادمة... ولكن الأهم من كل ذلك يبقى في حزمة الإجراءات الإنقاذية للمالية العمومية..
فهل تنوي حكومة الشاهد، مثلا، مراجعة اتفاقية الزيادة في الأجور مع اتحاد الشغل أم لا؟ وهل تنوي فرض ضرائب إضافية على المؤسسات أو الأشخاص الطبيعيين الميسورين أم لا؟

بعبارة أخرى ما هي الاختيارات العاجلة للحد من الإنفاق العمومي من جهة ولتنمية الموارد الذاتية (جبائية وغير جبائية) للدولة من جهة أخرى؟ ولا يخفى على أحد أن كل قرار للحد من الإنفاق أو لتوفير موارد إضافية سوف يلقى سخطا واحتجاجا من قبل فئات هامة في المجتمع... وأن الأساسي بالنسبة للسلطة التنفيذية ليس فقط في حسن التشخيص بل أساسا في القدرة على الإصلاح والجرأة عليه.

لقد ختم يوسف الشاهد خطابه بما كان يردده شهيد تونس شكري بلعيد «يلزم ناقفوا لتونس».. فعلا «يلزم ناقفوا لتونس» فالوضع صعب للغاية والتونسيون قد فقدوا ثقتهم في السياسيين والأطراف الاجتماعية والسياسية والشعبية لن تعطي صكّا على بياض لأحد والإنقاذ المالي للدولة ليس معزولا عن جبهات الإصلاح الأخرى وعلى رأسها محاربة الفساد وإقامة الدولة المحايدة وكشف كل الحقائق في كل الملفات...

وهذا يعني أننا ننتظر موعدا آخر قريبا مع رئيس الحكومة ليطرح أمام مجلس نواب الشعب خطته الإصلاحية العاجلة... خطة مفصلة ومرقمة كميا وزمنيا حتى يتمكن الرأي العام والإعلام والنواب من المتابعة والمحاسبة...
يبدو أن يوسف الشاهد يريد عهدة بثلاث سنوات أي إلى موفى العهدة النيابية الحالية ولكن ذلك يفرض عليه إثبات نجاحات ملموسة وسط الطريق (أي في نهاية 2017) وإلا ستكون حكومته كسابقاتها: تعد كثيرا وتنجز قليلا وتعمّر أقل....
كلمة أخيرة حول وزير الشؤون الدينية الجديد حيث يظهر في فيديو حقيقي غير مزيف وهو يستقبل زمن الترويكا في رحاب الجامعة الزيتونية والتي كان رئيسا لها قيادات الصف الأول للنهضة وهو يقول في كلمته «الترحيبية» إن الإسلام السياسي هو الذي سيسود في المنطقة وأن المسألة مسألة وقت فقط...

نريد توضيحا من رئيس الحكومة إذ لو كان الوزير مرشحا للنهضة فتلك طامة كبرى وإن كان «مستقلا» فنريد توضيحا من الوزير ذاته هل أن عباراته كانت من باب «المجاملة» لحكام تونس آنذاك أم هي قناعة شخصية وفي كلتا الحالتين هنالك إشكال كبير لأن تونس قد حسمت أمرها بصفة نهائية مع الإسلام السياسي وحتى حركة النهضة تقول لنا بأنها أضحت اليوم «مختصة» في السياسة بما يفيد بأنها لن تتدخل كحركة سياسية في المسائل الدينية...

المسألة واضحة: إن كان وزير الشؤون الدينية الجديد يؤمن بأن الإسلام دين ودولة وعقيدة وشريعة فذلك حقه ولكن ليس من حقه أن يكون وزيرا للجمهورية... أما إن كان على غير هذا المعتقد فليوضح لنا ما قاله فالمسائل الجدية لا تبنى على الالتباس ونحن لا نريد أن نحاكم الوزير قبل الاستماع إلى توضيحه الضروري والأكيد حول هذه المسألة... فإنقاذ البلاد لا يتحمل أخطاء بمثل هذه الخطورة في البدايات...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا