حكومة يوسف الشاهد: الجيّد والمزدوج والرديء

ترك الإعلان عن حكومة يوسف الشاهد انطباعات متناقضة عند جل المتابعين للمشهد السياسي التونسي... فكمّ «المفاجآت» فيها كان كبيرا ولكنه كان في اتجاهات شتى منها الايجابي جدا والسلبي للغاية... أما جلّ هذه المفاجآت فكانت بين بين لا يكاد يستقر فيها الرأي على موقف واحد...

الجيد في حكومة يوسف الشاهد أنه أوفى ببعض ما تعهد به خاصة على مستوى التأنيث فلأول مرة منذ الاستقلال يكون لدينا ست وزيرات من أصل 26 وزيرا وبنسبة قاربت الربع... وبعض الوزيرات كلّفن بحقائب استراتيجية لم تعط قبلهن لإمرأة قطّ...
والجيد أيضا أن يوسف الشاهد صمد أمام طموحات وشره الأحزاب - وإن كان ذلك بمقادير مختلفة - وهذا ما يفسر رفض الوطني الحرّ المشاركة في الحكومة وغضب جزء من نواب نداء تونس والتحفظ الكبير لآفاق والتحفظات النسبية للنهضة... وهذا الصمود يحسب ليوسف الشاهد لأنه يعلم علم اليقين بأنه دون مساندة هذه الأحزاب له في البرلمان فحكومته لن تمر ... ولكنه فضّل المواصلة على النهج الذي رسمه لنفسه بدلا من الدخول في مساومات لا ولن تنتهي... لا سيّما وأننا شاهدنا كيف أن بعض المتحزبين لم يغضب للوطن أو للقيم بل لما يعتبره حقه الحزبي والشخصي في التوزير دون أن يثبت لنا كفاءة ما في مجال ما...

والجيد كذلك في هذه الحكومة هو استيعابها لجل الأحزاب التي أمضت على وثيقة قرطاج بما في ذلك الأحزاب التي اعتبرت نفسها، منذ تعيين الشاهد، غير معنية بالحكومة... كما أن تشريك شخصيات نقابية معروفة، وان لم تكن مرشحة من اتحاد الشغل، مهم للغاية ولا سيما في وزارة الشؤون الاجتماعية عندما نعلم أن البلاد مدعوة للاقدام على اصلاح جذري وعميق لمنظومة التضامن الاجتماعي في كل أبعادها...

والجيد أيضا هو دخول شخصيات من الطراز الكبير لهذه الحكومة ونخص بالذكر هنا غازي الجريبي في وزارة العدل والفاضل عبد الكافي في وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي... فالملفات في هاتين الوزارتين على غاية كبرى من الأهمية والمنتظر من شخصية كغازي الجريبي ان يعيد ثقة كل الأطراف في وزارة طالما تجاذبتها الأهواء والمصالح... بدءا من ملف اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وصولا إلى الحرب على الفساد مرورا بقضايا الإرهاب على تنوعها وتشابكها دون أن ننسى ضرورة إصلاح المنظومة السجنية وادخال التعديلات اللازمة على السياسة الجنائية للدولة.... أما ملفات وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي فحدث عنها ولا حرج بداية من استكمال المنظومة القانونية للاستثمار ثم ادخال التعديلات الضرورية على مخطط التنمية ولكن والأهم من كل ذلك هو بلورة السياسات العمومية لاعادة تنشيط الاقتصاد والرفع من مردوديته ونموّه...

ويمكن أن نضيف لهذه العلامات المضيئة دعوة بعض الكفاءات الشابة والتي ننتظر منها تقديم الكثير للبلاد في هذا الظرف الدقيق والحساس...
وكنا نتمنى أن تكون كل مفاجآت حكومة الشاهد من هذا القبيل ولكن للأسف لقد خلطنا الجيد بالمزدوج بل وبالضعيف أحيانا...

الابقاء على عدد هام من الوزراء فيه عنصر ايجابي ولا شك وهو ألا تنطلق الحكومة الجديدة من الصفر بل أن تبني على العمل المنجز قصد تحسينه... ولكن خلطنا هنا بين نية حسنة ونتائج دونها بكثير... فإن كان الابقاء على جلّ وزراء السيادة وكذلك بعض الوزاء الذين قاموا بجهد واضح للاصلاح هو من الأمور المحمودة إلا أن تكليف البعض الآخر بحقائب أهم رغم عدم اثباتهم لنجاح يذكر في حقائبهم السابقة هو مدعاة للسؤال والحيرة ولا نجد له جوابا إلا في الضغط الذي مارسته أحزابهم ونخص بالذكر هنا حركة النهضة التي أرادت لأمينها العام حقيبة اعتبارية هامة فكان لها ما أرادت وجمعت لزياد العذاري وزارتي الصناعة والتجارة والحال أن نجاحه في التكوين المهني والتشغيل نسبي للغاية... كما أن الانفتاح السياسي والاجتماعي المحمود صاحبه تكليف هذه الشخصيات بحقائب لا صلة كبيرة لهم بها ...

لاشك أن الوزارة منصب سياسي بالأساس ولكن لا معنى لسياسة غير ملمة بموضوع مهمتها فوزارتا الاصلاح الاداري والحوكمة من جهة والفلاحة من جهة أخرى تحتاجان ولا شك إلى رؤية اصلاحية لكون السياسي أقدر عليها من غيره، نظريا على الأقل، ولكن القرارات اليومية تحتاج كلها إلى حسم سريع وفي الاتجاه الصحيح وهذا ما يخشى عدم توفره بالدرجة الكافية في الشخصيتين المكلفتين بهاتين الحقيبتين...

ونصل الآن للضعيف في حكومة يوسف الشاهد:
المفاجأة الأولى هي هذا العدد المتضخم للحكومة بينما كانت كل وعود البداية في حكومة مضيقة فإذا نحن أمام رقم قياسي جديد والمعلوم أن الكثرة في هذا المجال هي عدوة للفاعلية والنجاعة..
والمفاجأة الثانية هي غياب شخصيات اقتصادية من الطراز الرفيع اذا ما استثنينا بالطبع الفاضل عبد الكافي... والحال أننا نعلم التحدي الأبرز اليوم للبلاد هو تحدي اقتصادي بالأساس... فالكل كان ينتظر شخصية اقتصادية كبيرة في وزارة المالية لها خبرة في ادارة الأزمات وفي حسن التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية ولكن لأسباب لا نعلمها قد تم العدول عن هذا الاختيار... لا نقول هذا تقليلا من شأن الوزيرة المقترحة السيدة لمياء الزريبي ولكن نخشى أن تغيب الجرأة الاصلاحية والقدرة على اعادة توجيه الانفاق العمومي وأن يغلب على هذه الوزارة المفصلية النفس الروتيني في حين أن البلاد لم تشهد منذ الاستقلال الضغوط التي تشهدها اليوم على المالية العمومية...

المفاجأة الثالثة هي غلبة منطق الترضيات الشخصية والحزبية في اللحظة الأخيرة من تكوين هذه الحكومة فوجدنا شخصيات محترمة في ذاتها ولكن مؤهلاتها للوزارات التي عينت لها غير معروفة مما دفع الى الاكثار من كتاب الدولة عساهم يتلافوا هذا النقص الأصلي...
ولكن أيا يكن الأمر فهذه ملاحظات أولية على فريق على الورق كما يقال ويمكن أن تكون المفاجآت على غير ما قدرناه وأن يبدع من لا خبرة لهم بمجالات توزيرهم كما يمكن أن يخفق من أحسنا الظن بهم... والأساسي على كل حال هو عمل الفريق ككل... وهذه هي مسؤولية رئيس الحكومة المكلف... والنجاح أو الفشل سيكونان بالأساس جماعيين... فالمهام المطروحة على هذه الحكومة واضحة: مكافحة الارهاب ومحاربة الفساد وانعاش الاقتصاد ومقاومة التهميش والبطالة والقيام بالاصلاحات الضرورية لتعصير مختلف منظومات البلاد وايقاف نزيف المالية العمومية... وسوف نرى في خطاب نيل الثقة ما هي وجهة الحكومة الجديدة ثم بعد ذلك كيف ستكون حوكمتها ونجاعة عملها على الميدان...
والأهم من كل هذا هو اعادة الثقة الى المواطن في جدوى السياسات العمومية وفي نزاهة القائمين عليها...

الواضح أن حكومة يوسف الشاهد، لو منحت لها الثقة ستشتغل منذ اليوم الأول تحت ضغط الأحزاب والاعلام والرأي العام وأن الشكوك ستحوم حول جديتها منذ البداية ولكن يبقى الفيصل بينها وبين كل التونسيين نتائجها على الميدان ونجاحها أو إخفاقها في المجالات الأساسية لعملها.. وسوف نمتحن - كذلك - تضامنها وصلابتها في المحن والشدائد....

الطريق أمام حكومة الشاهد ليست مفروشة بالورود وعليه هو شخصيا وسائر أفراد حكومته أن يحسنوا تجنب الأشواك...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا