حكومة الوحدة الوطنية الحسابات الخاطئة..

من العادات السيئة في تونس تلك القدرة العجيبة التي نمتلكها، جميعا، على إفراغ الأفكار الجيدة من كل مضمون فعلي وتعويمها في وحل الرتابة اليومية حيث تطلق النيران من كل الاتجاهات على الابتكار والتجديد...

لا أحد يناقش في أن الحكومة الحالية قد أخفقت، إلى حد الآن، في تحقيق المطلوب منها وهو بداية الإصلاحات الجدية المحررة لاقتصادنا من كوابحه واستئناف نسق تصاعدي في الإنجاز وبالتالي في النمو.. والإجماع حاصل أيضا على أن الخلل لا يكمن في شخص رئيس الحكومة أو في وزرائه بل في فلسفة عمل هذه الحكومة وفي حوكمة القرار داخلها وفي الشجاعة السياسية التي افتقدتها بحكم ضعف الإسناد السياسي أو حتى فقدانه...

لا شك أن هذه الحكومة قد اجتهدت قدر الطاقة ولكن تجنب ولوج الملفات الصعبة والإصلاحات الجريئة مخافة الاحتجاجات الشعبية قد فاقم من خطورة كل المؤشرات الاقتصادية من مديونية وإنفاق عمومي غير متحكم فيه...

والواضح – قبل مبادرة رئيس الجمهورية بتشكيل حكومة وحدة وطنية – بأن الحكومة الحالية، بحكم خطيئتها الأصلية، غير قادرة على وضع قطار تونس على طريق الإصلاح والنمو والرفاه... وأن كل يوم يمضي في هذا الاتجاه السلبي هو خسارة للبلاد والعباد...
ولكن ما كان مجمعا حوله ومطالبا به من كل الأطراف ما إن أصبح إرادة سياسية من أعلى هرم الدولة حتى دخلت «العبقرية» التونسية على الخط فرأى فريق في المبادرة الرئاسية فرصة لوضع يده على ما بقي من مفاصل الدولة وفريق آخر يفكر، منذ الآن، في تكبيل أيادي الحكومة القادمة قبل انبعاثها وآخر أضحى يرى في الحكومة الحالية خصالا كان ينكرها عليها منذ أسابيع قليلة... وهكذا أصبح طموح طيف واسع من الفاعلين السياسيين هو استنساخ آليات عمل الحكومة الحالية في إطار حكومة الوحدة الوطنية المفرغة من كل نفس إصلاحي جدي....

ولكن لا بد من الاعتراف بأن المبادرة الرئاسية قد انبنت على طموح لا ينسجم كثيرا مع وضع تونس اليوم وهو أنه أمام الأزمة الخانقة التي يمرّ بها اقتصادنا ستتظافر كل الجهود دون إشكال يذكر حول برنامج مرحلي تجتمع حوله الغالبية العظمى من التونسيين ومن ممثليهم السياسيين والاجتماعيين...

التعثرات التي نلاحظها اليوم في الحوار حول تشكيل حكومة وحدة وطنية نابعة من هذا التفاؤل المبالغ فيه حول إمكانية توحيد فرقاء لديهم تصورات متباينة وحتى متناقضة حول الحلول الاقتصادية والاجتماعية لمشاكل تونس اليوم...
ثم إن تجنب الخوض اليوم في المشاكل الحارقة بحجة تأمين مسار حكومة الوحدة الوطنية إنما هو حساب قصير النظر...

تونس تحتاج اليوم إلى مقايضة تاريخية بين السلطة التنفيذية من جهة وطرفي الإنتاج من جهة أخرى... مقايضة يلتزم بها كل...

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا