حريات بلا ديمقراطية ؟ !

لكل مسار سياسي سياقاته الاجتماعية كذلك مخياله وعالمه الرمزي وأوهامه وتوهماته ورغباته ومكبوتاته ..

ينبئنا المسار الانفرادي في صياغة العقد الاجتماعي (الدستور) وفي تغيير موازين القوى وقواعد اللعبة بصفة فوقية عن مخيال سياسي خبرناه في فترات عدة من تاريخنا الحديث ..
لدينا في تونس الحديثة صنف خاص من المثقفين الذين لديهم علاقة عضوية بالسلطة السياسية، أو بصنف خاص منها على الأقل .. وهذا لا يعني أننا أمام انتهازيين همهم الوحيد التواجد داخل أروقة الحكم ليستفيدوا من امتيازاته وسطوته ..هؤلاء موجودون في كل عصر ومصر،نحن نتحدث هنا عن صنف آخر من المثقفين الذين لديهم قناعات واختيارات وهم يعتقدون أن انخراطهم ضمن سلطة ما، هو أقصر وأضمن طريق لإنجاز ما يحلمون به في أرض الواقع..فهم بطريقة ما مثقفون عضويون ولكن دون انخراط تنظيمي في أحزاب ثورية..
في ما يسمى بمسار 25 جويلية هنالك مثقفون من هذا الصنف ،بعضهم عضوي ويلعب دورا هاما في تحقيق ما يعتبرونه المنجز الأهم وهو دستور «الجمهورية الجديدة» وبعضهم الاخر ينتظر ثمار هذا المنجز ويؤجل انخراطه المفترض على ضوء تماهي مخيالي السلطة والمثقف ..
في كل انخراط من هذا الصنف هنالك نوع من التعاقد : المثقف يسهم في إنجاز الهيمنة الإيديولوجية للعالم والحاكم ويحقق في الواقع أحلام ورغبات المثقف،ولكن هذا التعاقد غير متكافئ دوما وهو مخادع دوما لأن الحاكم يملك كل أوراق اللعبة،والمثقف ما إن ينخرط في هذا المسار يفقد كل قدرة على اتخاذ المسافة النقدية الفعلية وحتى وإن تراجع فيما بعد فهو ينجز نصيبه من التعاقد دون أن ينال – رمزيا - شيئا يذكر ..
لو أردنا أن نلخص اليوم طبيعة هذا التعاقد بين المثقفين المنخرطين وبين السلطة السياسية لقلنا بأنه يقوم على إنجاز ما لم يتم انجازه من قبل وهو دستور يضمن الحريات الفردية والجماعية بعد تنقيتها من كل الشوائب الثقافية والاجتماعية والدينية،اي الخروج النهائي من بوتقة الخصوصية الثقافية التي تتحكم في الفكر والضمير والجسد إلى كونية فسيحة تتحرر فيها العقول والضمائر والأجساد من كل مكبلاتها ..
نحن أمام مقترح تعاقدي مغر للغاية: تحقيق حلم في أشهر معدودات لما عجزت عن إنجازه كل النخب التونسية والعربية على امتداد قرن ونصف !!
هذا الوجه المضيء من التعاقد،ولكن كما في كل التعاقدات الخيالية الخارقة هنالك الجزء المخفي من الصورة إذ أن السلطة التي تريد تحقيق الحقوق والحريات بصفة مطلقة لا تحتاج إلى أحد ..الجانب الخفي في هذا التعاقد هو تحقيق حلم الحاكم لا حلم المثقف وهو إنجاز الحكم المطلق وشرعنته باسم القيم والمبادئ ..فلو لا هذا الجانب الثاني من التعاقد لما احتاج حاكم واحد في كل مصر وفي كل عصر إلى مثقف واحد.
ويبقى السؤال الجدي الوحيد : كيف يتم التوفيق المشهدي لهذا العقد بجانبيه المضيء والمظلم ؟ كيف نوازي بين الحريات على إطلاقها مع تشريع مبطن للاستحواذ على السلطة،كل السلطة،كامل السلطة ؟
منذ أكثر من قرن وجد بعض المصلحين فكرة «المستبد العادل» وان الشرق لا يصلح أمره إلا به ..أما اليوم فالتسويق هو التالي : حريات في ظل ديمقراطية حقيقية أي عند التمحيص حريات (دستورية) مقابل التخلي عن أهم مكونات الديمقراطية أي الفصل بين السلط والتوازن بينها ..
في الحقيقة لا جديد تحت شمس هذا الشرق ولكن كم نحن قادرون على تبرير ما لا يبرر وكم نحن متفانون في خدمة السلطان..
تلك هي الحقيقة الوحيدة الباقية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا