إما صندوق النقد الدولي والمراهنة الكلية على القطاع الخاص أو الصلح الجزائي والشركات الأهلية: أمام أزمة خانقة، اختيارات متناقضة

تعيش بلادنا أزمة اقتصادية واجتماعية حادة ومعقدة يعود جزء منها إلى تراكم سياسات عمومية خاطئة وغير شجاعة ويعود الجزء الآخر إلى أزمتي الكوفيد والحرب الروسية على أوكرانيا ..

لسنا هنا في باب تحميل المسؤوليات للسابقين واللاحقين ولكن الأساسي هو الخروج من هذه الأزمات المتظافرة بأقل الأضرار الممكنة.
الخروج من هذه الأزمات ،أو من غيرها من الأزمات ،يستوجب مسائل أربعا:

• تشخيصا دقيقا

• رؤية وبرنامج واضحين

• حشد أوسع القوى حول الإصلاحات الضرورية

• تنفيذا محكما وإصرارا على المتابعة والانجاز

اليوم كل هذه العناصر مفقودة في بلادنا لسبب بسيط وهو التناقض في التشخيص وفي الحلول بين الحكومة ورئاسة الجمهورية ومحاولة التلفيق بين تصورين لا يجمع بينهما سوى الشعارات الفضفاضة والشقشقة اللفظية.
لقد أدركت الحكومة أن شروط استدامة الدين العمومي قد انتفت،وأن الدولة لم تعد قادرة على الاستثمار وعلى التوظيف وعليه توجهت إلى صندوق النقد الدولي من أجل عقد اتفاق ممدد معه مع الاستعداد الكلي لتطبيق حرفي لكل وصفاته وشروطه ..
والحكومة تدرك جيدا أن من شروط إنجاح هذا الاتفاق تحسين كبير لمناخ الأعمال والتعويل شبه الكلي على الاستثمار الأجنبي المباشر وعلى القطاع الخاص الوطني وأن مناخ الثقة أساسي ومن ذلك عدم شيطنة نساء ورجال الأعمال والنجاح الاجتماعي .يعني أن مشروع الحكومة في تناقض مع الصلح الجزائي والشركات الأهلية أي مع الارتياب الممنهج من أرباب العمل ومن المؤسسة الخاصة..

لاشك أن المشروع الهلامي لرئيس الدولة ليس هو اشتراكية التأميم التي شهدتها بلدان عديدة منذ عقود ولكنه يطمح إلى تغيير علاقات الإنتاج ولكن على غير المعنى الماركسي للكلمة بل بمعنى إعطاء الثروة لمن حرموا منها ونزعها عن الطبقات التي استفادت منها مع ضبابية في الرؤية الاقتصادية والمالية والاجتماعية، أي مع مناخ لا يبعث مطلقا على الثقة ولا يشجع المستثمرين الأجانب والمحليين على المجازفة والمراهنة على المستقبل ..

في المحصلة لن نستفيد من ايجابيات أي المشروعين ،هذا إن وجدت بالطبع، بل سنراكم سلبيات هذين الاختيارين المتناقضين : تقشف على مستوى ميزانية الدولة بما يعنيه ذلك من مواصلة تردي الخدمات الاجتماعية وتراجع حاد للاستثمار العمومي مع ارتفاع جنوني للأسعار وإضعاف القدرة الشرائية لما تبقى من الطبقة الوسطى وتفقير إضافي للفئات الشعبية وانحسار الاستثمار الخاص نتيجة خوف نساء ورجال الأعمال من اعتباطية الصلح الجزائي وسيطرة زبونية جديدة عبر هذه الشركات الأهلية التي ستمثل الإطار السياسي والمالي الجديد لمشروع البناء القاعدي .
في الأثناء تستمر أزمات البلاد أمام تخبط غريب لكل شقوق السلطة في البلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا