من «أسلمة المجتمع» إلى «الشعب يريد» مرورا بكل طوباويات هذه العشرية: تونس تلهث وراء السراب !

مثلت الثورة التونسية فرصة استثنائية للإصلاح (المفارقة مقصودة) ولتحرير كل الطاقات الإيجابية من أجل ازدهار ينعم به عموم التونسيات والتونسيين

ولكننا حوّلنا هذه النافذة التاريخية إلى طريق غير سالكة جعلتنا ننتقل من وهم إلى آخر ومن وضع سيء إلى آخر أكثر سوءا..
من السهل ومن المريح لنا جميعا أن نعلّق هذا الفشل الجماعي على شمّاعة فشل الحكام وفسادهم وكأنّ عموم النخب والأجسام الوسيطة وسائر المواطنين والمواطنات غير معنيين بهذا الفشل وكأنهم براء منه براءة الذئب من دم يوسف .
لاشك أن بلادنا حققت انجازات لا تنكر وأنها تقدمت، رغم التعثرات، على طريق الانتقال الديمقراطي ولكننا رفضنا مع ذلك الانخراط الجماعي في الطريق السالكة الوحيدة : طريق العقل والعمل والمراكمة الدؤوبة وفضلنا اللهاث وراء باعة الأوهام .
لعلّ المسار الذي أخذته الثورة التونسية قد ساعد على إفراز نوع من الفهم السحري للواقع: ما دام نظام بن علي قد انهار بعد أربعة أسابيع فقط فلا شك أن تحسن أوضاع البلاد سيجري على نفس هذا المنوال : قدرة السياسة على تغيير الواقع الملموس للناس بسرعة فائقة وانه يكفي أن نغيّر الخيار السياسي حتى يتغيّر كل شيء .. وهذا ما دفع بفئات واسعة من الشعب التونسي ،منذ البداية،إلى الرغبة الجامحة في اقتسام «رخاء» لم نستعد لخلقه ولا حتى مجرد وضع اللبنات الأولى لتيسير حدوثه ..
فكرة أن «تونس ثرية ولكنها منهوبة» لم يأت بها قيس سعيد عندما أصبح رئيسا للجمهورية بل هي عقيدة سكنت في ضمائر جلّ التونسيين منذ أن «فتحت» خزائن بن علي وتوهّم الناس أن لحظة اقتسام هذه الغنيمة قد أتت .
منذ البداية وباستثناء بعض الأصوات النشاز اعتقدنا أن الثروة موجودة وأن الحكم الغاشم هو الذي كان يحول بيننا وإياها وأن حكم «الثوار» كان لوحده كفيلا بخلق بحبوحة العيش .. لنتذكر فقط وعود النهضة سنة 2012 أننا سنخلق 400000 موطن شغل في سنة واحدة وأن الأموال ستتدفق على البلاد بفضل هذه «الخلافة السادسة» .. ولنتذكر نسب النمو الصاروخية التي وعدنا بها نداء تونس في برنامجه الاقتصادي والاجتماعي سنة 2014 وانه يكفي أن ينتصر النداء في التشريعية والباجي قائد السبسي في الرئاسية حتى «تغرق» البلاد تحت الاستثمارات الخيالية لأصدقاء الأغلبية الجديدة..
في الأثناء سعينا إلى شراء «السلم الاجتماعية» وأغدقنا أموالا لم نخلقها وتداينت البلاد وانهمك السياسيون الحاكمون في تقسيم المواقع والمنافع في وقت كانت البلاد تغرق يوما بعد آخر ..
وحتى عندما عاقبنا «المنظومة» التي حكمتنا في انتخابات 2019 لم نصوت لأصوات العقل ولم نصغ إليها بل سارعنا الخطى وألقينا كل بيضنا في أحضان شعبويات جديدة / قديمة ثم عدنا بكل قوة إلى نقطة البداية «تونس غنية ولكنها منهوبة» وجعلنا من هذا الشعار الإيديولوجيا الرسمية للدولة بعد 25 جويلية 2021 وبدأنا نسوّق للوهم الجديد : البناء القاعدي هو الحلّ و»الشركات الأهلية» هي التي ستعمم الرخاء على جميع المواطنات والمواطنين ..
في المحصلة لم ينتخب التونسيون من سعوا الى تقديم برامج اقتصادية واجتماعية فيها الحدّ الأدنى من الجدية والعقلانية وهرولت غالبيتنا وراء باعة الأوهام وهذا ما لا نجده في تقرير محكمة المحاسبات ولا عند غيرها من الهيئات المحلية والدولية لأن كل قوانين الدنيا لا تجرّم اتباع الأوهام واللهاث وراء السراب.. والحال أن إصلاح أوضاع البلاد يسير إلى حدّ ما : الابتعاد نهائيا عن خطابات التكفير والتخوين والكراهية ووضع حدّ نهائي لهذه الحروب الأهلية الباردة والإقرار بأن مشاكل البلاد ليست متأتية من الثورة او من الدستور أو حتى من المنوال التنموي اذا ما فهم منه انه اختيار إيديولوجي همه الوحيد الحسم في ملكية وسائل الإنتاج .
مشكلة البلاد الأساسية اليوم وغدا هي خلق الثروة بأقصى قوة واقصى سرعة ممكنتين وعدم ارتهان الفاعلية الاقتصادية باختيارات اجتماعية خاطئة .
أولويتنا اليوم هي تحرير كل طاقات الإنتاج ورفع كل القيود البيروقراطية والقطع مع ثقافة الرخص والرقابة القبلية وترسانة الوثائق الإدارية القائمة كلها على فكرة واحدة «الفاعل الاقتصادي متهم حتى يثبت براءته أو أن «يُبيّض» الكفّ بما يكفي».
كل تمش اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي غير إدماجي تمش خاطئ ومكلف في نفس الوقت .
يمكن ، بل يجب، أن نؤسس لتونس جديدة توفر فيها الدولة شروط التفوق للجميع ويكافأ فيها الجهد والعمل ويُضخّ فيها الذكاء في كل شيء، في التعليم وفي التكوين في الإنتاج وفي توفير فرص الشغل والعمل والابتكار لكل الجهات والفئات ..
كفا بحثا عمّا يفرقنا فما يجمعنا كثير وهو كاف لتقدم سريع ومتواصل، أما فرض خيارات فردية وأوهام فئة محدودة من التونسيين على الجميع تحت غطاء التدابير الاستثنائية فهو إصرار على الخطإ وعلى انتهاج طريق مغلقة تدمر ما بقي من صمود في وجه الرداءة في هذه البلاد ..
الرجوع إلى الحق فضيلة ..هكذا قال القدامى وهكذا يقول المعاصرون .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا