حتى لا نعزل بلادنا عن العالم: في السيادة الحقيقية وفي أوهام السيادوية

يبدو أنه كُتِب على بلادنا أن لا تراوح في المعارك الأيديولوجية بل وحتى الميتافيزيقية، تتغيّر أحيانا العناوين الظاهرة ويدخل أحيانا أخرى فاعلون

جدد على الخط ولكن الجوهري في صراعات النخب النافذة والتي تجد لها صدى واسعا لدى قطاعات هامة من الرأي العام هو تلك النقاشات العقيمة حول مفاهيم هلامية تستعمل كمدرعات عقائدية تصادر النقاش بدلا من إثرائه من زوايا نظر مختلفة ..
يبدو أن بعضم يريد أن يفرض علينا ثنائية استقطابية جديدة : أصحاب السيادة الوطنية من جهة مقابل الخونة والعملاء بمختلف تشكيلاتهم وتلويناتهم .
نقول بداية أن هنالك خونة وعملاء في كل بلد ممّن يبيعون أوطانهم بملاليم أو ممن يتوقعون أن موقعهم السياسي (في الحكم أو في المعارضة) إنما يرتبط بمدى ولائهم لجهات أجنبية ..
في مجتمعات عديدة تكون هذه الرهوط مسألة شاذة ونادرة ولكن تدخل بعض هذه المجتمعات في استقطابات حدية متعادية وفي حروب أهلية باردة أو مسلحة يصبح فيها الارتباط بالأجنبي هو القاعدة لا الاستثناء.فما دام ابن بلدك هو عدوك اللدود فلن يكون صديقك/حليفك سوى الأجنبي .
ولكن مسألة السيادة (le souveraineté) والسيادوية (le souverainisme) لا تتعلق بالصراعات السياسوية في كل بلد بل بعلاقتنا دولتنا من جهة وبعلاقة وبتموقع دولتنا في العالم من جهة أخرى وهنا سنتحدث حول المضمون الفعلي لمقولة «سيادة القرار الوطني ومعانيه في ظل هذه العولمة المهيمنة على العلاقات الدولية منذ انهيار المعسكر الشرقي أي منذ ثلاثة عقود .

ما معنى «سيادة القرار الوطني» وماهي مجالاته ؟

نحن نتحدث هنا عن علاقات بلادنا –مثلا– الديبلوماسية والاقتصادية والتجارية وكل ضروب التبادل بين الأمم والشعوب ..
هل توجد دولة واحدة في العالم لها سيادة مطلقة على قرارها الوطني ؟ بالتأكيد لا نظرا لارتباط كل الدول بمعاهدات ومواثيق تكيف ضرورة قرارها وتحد من إطلاقيته ..
وحتى لو ذهبنا إلى المعنى المتداول لسيادة القرار الوطني لقلنا بأن استقلاليته النسبية مرتفعة جدّا في عدد محدود من الدول لا يكاد يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة ، فنحن نتحدث هنا عن الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية وبدرجة اقل روسيا كذلك كوريا الشمالية التي اختارت أن تعيش في عزلة شبه تامة .

هنالك دول قوية جدا لها وزنها في المبادلات التجارية الدولية لكنها لا تملك جل عناصر السيادة لاسيما في جوانبها الإستراتيجية والعسكرية ونتحدث هنا عن ألمانيا واليابان (المنهزمان الأبرزان في الحرب العالمية الثانية) وكذلك كوريا الجنوبية ..

السيادة إذن موازين قوى قبل أن تكون إرادوية سياسية (volontarisme politique)..السيادة الفعلية ترتبط طردا بعناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والعسكرية والثقافية وهي تمارس دوما في عالم متحرك تحكمه موازين القوى وشبكات المصالح بين الدول منفردة كانت أو مندمجة في ظلّ تجمعات إقليمية .

واللافت للنظر أن بعض الدول القوية نسبيا، كدول أوروبا الغربية،قد اختارت أن تفرط جزئيا في سيادتها الوطنية لفائدة كيان إقليمي (الاتحاد الأوروبي) تقديرا منها أن التنازلات المتبادلة النسبية عن أجزاء من سيادتها الوطنية ستصاحبها عناصر قوة جدية صناعيا وفلاحيا وتجاريا وعلميا وتكنولوجيا وأن موازين القوى الدولية لا تسمح لدول أوروبا الغربية بان تجابه هذه المنافسة الشرسة منفردة.
السيادة الفعلية إذن ليست خطابا هجوميا على العولمة وعناصرها المؤسساتية تحت شعار «الرخّ لا» لأننا لا نملك أية «فانة» يمكن غلقها في وجه العالم.. السيادة الفعلية هي دوما في تحسين شروط التفاوض الدولي وفي الإضافة المستمرة لعناصر قوتنا المالية والصناعية والتجارية والعلمية ..
لا يمكن اليوم لأي بلد في العالم،بما فيها الدول العظمى، أن تستغني عن التبادل ،ولكن الأساسي هو في شروط هذا التبادل بمختلف أبعاده وفي وعينا الجماعي بنقاط قوتنا ونقاط ضعفنا وألا نفرط في الأولى وأن نعمل على تجاوز الثانية.

من الخطإ الاعتقاد بأن العولمة لا تفيد إلا الدول الغربية، إذ يشهد الواقع الملموس على عكس هذا ..العولمة لا تستفيد منها إلا الدولة القوية أو التي تملك عناصر قوة جزئية إقليميا أو دوليا ..

في تونس لدينا عناصر قوة جزئية هامة: مجتمع متناسق إلى حدّ كبير ونسيج اقتصادي متنوع مقارنة بنظراتها ويد عاملة ذات جودة وقرب من أسواق هامة (أوروبا والعالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء ) وخدمات عمومية ليست بالسوء الذي قد يتبادر إلى أذهاننا ..ولكن هل عملنا على المراكمة والتحسين في كل هذه المجالات ؟ هل خططنا للرفع المستمر من جودة التعليم والتكوين ؟ هل اشتغلنا على كل ميزاتنا التفاضلية ؟ هل انخرطنا جديا في اقتصاد الذكاء؟

متى سندرك أننا أضعنا عشرية كاملة في كل هذه المجالات وأن هنالك اليوم من يريد إضاعة عشرية أخرى في سجالات فارغة جديدة ؟ !

والأدهى والأمر أننا لم نتمكن مطلقا من حسن توظيف القيمة التفاضلية الأساسية التي نجمت عن الثورة التونسية وهي الحرية والديمقراطية فهل يكون الحل اليوم بإلغائها أو حتى بالحدّ منها ؟
طريق السيادة الفعلية صعبة ومضنية وهي تتطلب التخطيط الاستراتيجي والارتقاء المستمر بكل منظوماتنا العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والتعليمية والتكوينية ولكنها هي وحدها الطريق السالكة ..أما لو اتبعنا أوهام السيادوية الشعوبية فستزداد أوضاعنا سوءا وسنفقد ،فعلا،كل عناصر سيادتنا الوطنية وكل قدرة على التفاوض الجدي مع العالم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا