حتى لا نطبّع مع خطاب التخوين

تنتج المجتمعات المأزومة دوما خطابا مأزوما تستعيض به عن المعارك الفعلية والتحديات الواقعية لكل مجتمع بمعارك وهمية تغذيها خطابات طهورية

حول ضرورة التخلص من «أعداء الداخل» باعتبار أنهم أصل الداء والبلية وأنه لا إمكانية لأي إصلاح ما دون «تطهير» البلاد من «الخونة».

نحن أمام خطاب قديم قدم الدولة في المجتمعات الإنسانية تارة يستعمله أصحاب السلطان لتبرير قمع المخالفين وطورا يستعمله بعض المخالفين لتبرير الإطاحة بالسلطان أو للقيام بتطهير عرقي أو ديني لتخليص «الجماعة» النقية من الأوباش الدخلاء ..
التخوين والتكفير توأمان حتى وإن اختلفت الرمزيات والمرجعيات ولكنهما يقومان بنفس الأدوار : تقسيم مجموعة بشرية ما أو شعب ما إلى معسكرين متضادين يستحيل فيه التعايش بينهما .معسكر الخير والحق والنقاء في مقابل معسكر الشر والباطل والفساد.
هل يعني هذا انه لا يوجد أشرار وفاسدون وخونة في مجتمعنا كما في كل مجتمعات الدنيا ؟

طبعا لا، وما وجود القضاء والسجون إضافة إلى القوة المادية للدولة من أمن وجيش وكل الأسلاك المسلحة إلا لمتابعة ومعاقبة ومحاسبة كل من ثبتت عليه إحدى الجرائم المنصوص عليها في قوانين البلاد وفي إطار محاكمة عادلة تضمن فيها حقوق الدفاع وتحترم فيها قرينة البراءة حتى لا تتحول كل هذه الأجهزة إلى أدوات للانتهاك وللمس من الحقوق والحريات.
الديمقراطية الفعلية تراهن على مبدإ أخلاقي أساسي قوامه أن الخطأ الأقل خطورة هو أن يكون المجرم خارج أسوار السجن لعدم كفاية الأدلة أو لخلل في الإجراءات مثلا، أفضل من سجن البريء، الآن العكس سيكون حكم الاعتباط و«الصيد بالكركارة» والمحاكمة الجماعية دون التثبت من صحة التهمة لكل فرد ..
قوة الدولة وعدلها في نفس الوقت عبر قواعد الحوكمة الرشيدة هو الذي يسمح بإنفاذ القانون وردع الجريمة البسيطة وشبكات الإجرام المعقدة والفساد من بينها، والخيانة الوطنية متى حصلت ولكن ما نخشاه هيمنة التخوين في خطابات مختلف الفرقاء وعند أصحاب السلطة بصفة خاصة.
لا شيء إيجابي يمكن أن يحصل من وراء تجييش الشارع والأنصار وتحفيزهم للفرز مع الخونة والاتهام المباشر – حتى بالإيحاء– أن المعارضين ،كل المعارضين هم من الخونة المتآمرين والمتمسحين على أعتاب قوى أجنبية ، أو هم من الحشرات والجراثيم والأورام الخبيثة التي ينبغي اجتثاثها ..

لست ادري مدى دقة إحدى لقطات الفلم الشهير حول نيلسون منديلا وبطولة العالم الرقمي التي اقيمت بجنوب إفريقيا «انفكتوس» (invectus) حيث فاجأ منديلا فريق حراسته الشخصية –وكلهم من مناضلي حزبه – بإقحام حراس بيض كانوا ينتمون الى البوليس السياسي زمن الميز العنصري وأمام دهشة حراسه /رفاقه من إقحام من قتل وعذّب السود في فريق حراسته قال منديلا ما مفاده أن بناء الأوطان يتطلب التعالي عن الضغائن ..
لا أحد يطلب من ساستنا اليوم أن يكونوا في مستوى منديلا أو غاندي ولا احد يطالب بالعفو على من ثبت إجرامه الشخصي في حق الوطن، ولكننا لن نبني بلادنا بالأحقاد والضغائن لا ضد «المنظومة» السابقة ولا ضد التي سبقتها ولا ضدّ من ستليهما.

أن تتعالى بعض الأصوات هنا أو هناك من أجل «تطهير» البلاد أو «تطهير» قطاع بعينه كالقضاء أو الإعلام أو النقابات أو الجمعيات فهذا وارد جدا في تونس اليوم ونحن نعيش من أزمة إلى أخرى على امتداد عقود كاملة،ولكن دور القيادة السياسية هي البناء ،بناء المؤسسات وخاصة بناء وتحسين وتحصين قواعد عيشنا المشترك وألا تتحول الخلافات الطبيعية بيننا إلى مشاحنات وفتنة وتصفيات بل إلى ثراء وتنوع ينمقان البناء المشترك ولا يعيقانه.

للسياسة زمنها ونسقها وللقضاء أيضا زمنه ونسقه وعلى قدر طلبنا من هذا الأخير أن يكون ناجزا وسريعا وعادلا نحذر من توظيف القضاء للتأثير الجذري على الزمن السياسي ..
القائد الذي سيحفظ التاريخ ذاكرته هو ذلك الذي يصحح الأخطاء ويراكم على المنجز ويوحد مواطناته ومواطنيه لخوض المعارك الحقيقية من فقر ومرض وجهل وتفاوت جهوي وضعف نسق النمو ..
عقدان من الزمن كافيان لارتقاء تونس إلى مصاف الدول المتقدمة علميا واقتصاديا واجتماعيا لو وظفنا كل الطاقات من اجل تحقيق هذا الحلم الوطني المشترك ..أما الاستمرار والاستثمار في خطاب التأزيم فلن يقودنا إلا إلى الهاوية وفي أسرع من لمح البصر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا