تونس وليبيا: الظرفي والاستراتيجي

«تونس وليبيا شعب واحد في دولتين» هكذا كان يردد المغفور له الباجي قائد السبسي وتلك هي حقيقة التاريخ والجغرافيا والواقع البشري المتداخل لكلا البلدين ..

يبدو انه حصل سوء تفاهم بين القيادتين السياستين حول التهديدات الإرهابية التي تستهدف تونس انطلاقا من الشقيقة ليبيا والواضح أن جهات عدّة لعبت على التوتير والتصعيد وعلى البحث عن إشعال نار الفتنة ..
لاشك أن غيوما كثيرة رافقت العلاقة بين البلدين خلال هذه العشرية المضطربة والتي وجدت فيها قوى إقليمية ودولية موطئ قدم،ولاشك كذلك أن ضعف الدولة التونسية خلال نفس هذه العشرية لم يسمح لها بالتأثير الايجابي على الأوضاع الداخلية الليبية كما أن اصطفاف قوى فاعلة في تونس في سياسة محاور إقليمية مدمرة جعل دورنا الديبلوماسي يتراجع كثيرا في هذا المنعطف الحساس الذي تعيشه منطقتنا اليوم .

رغم كل هذا مازالت الفرصة قائمة لاستئناف علاقة ثقة وتعاون وشراكة بين البلدين وتجاوز بعض هذه الغيوم المفتعلة والاشتغال بجدية من أجل اندماج أفضل لا على مستوى التبادل التجاري فقط بل على تقارب السياسات العمومية من أجل اختراق مشترك لأسواق جديدة وبناء مقومات قوة اقتصادية يستفيد منها البلدان بحكم التكامل بين الاحتياجات ووحدة المصالح الإستراتيجية في محيطنا العربي والإفريقي .

لقد حلم أجدادنا بمغرب عربي موحد، وقد قاد هذا الحلم كل حركات التحرر الوطني من الاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين، ولكن عقود الاستقلال كانت كارثية على هذا الهدف المنشود فبعد حوالي ثلاثين سنة من التوتر بين الجزائر والمغرب الأقصى ها قد وصلنا الى منعطف خطير بقطع العلاقات بين ثنائي الثقل البشري والاقتصادي في المغرب العربي.
ما نتمناه من زيارة رئس حكومة الوحدة الوطنية إلى تونس لا يتوقف فقط عند رفع سوء التفاهم الذي حصل مؤخرا بل كذلك وضع لبنات جدية لشراكة مفتوحة مبنية على ثقة متبادلة تقطع مع الارتياب الذي ساد جزئيا العلاقة بين البلدين ..

لابدّ كذلك من أن نقطع مع ثقافة سائدة في بعض الأوساط التونسية وهي اعتبار ليبيا «فرصة» لسلعنا ولخدماتنا الصحية والسياحية، وننسى أن فرص التعاون المشترك الصناعي والفلاحي والتجاري والخدماتي اكبر بكثير من التبادل التجاري الكلاسيكي وان بناء مستقبل أفضل لكل بناتنا وأبنائنا في بلدينا يفتح مجالات جديدة من التعاون العلمي والثقافي والتربوي لتكوين مؤسسات اقتصادية مشتركة تكون قادرة على المنافسة الإقليمية إفريقيا وعربيا ومتوسطيا ..

نحن نحتاج إلى نظرة جديدة إلى مستقبلنا ومستقبل أبنائنا لا ترتهن لظرفيات السياسة ولصراع بعض الدوائر التي لا تتغذى إلا من اختلاق الأزمات والاستثمار فيها ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا