بعد مرور شهر ونصف على إجراءات 25 جويلية: كيف نخرج من مأزق «الحالة الاستثنائية»

مع كل يوم يمرّ يتضح جليا أن بلادنا واقعة في مأزق «الحالة الاستثنائية» وأن القول بأن مسار ما بعد 25 جويلية هو مسار لا يخرج

عن السياق الدستوري العام إنما هو من قبيل السجال اللفظي فقط ليس إلا..

من الواضح والجلي أن الرجوع إلى ما قبل 25 جويلية أضحى أمرا مستحيلا سياسيا وشعبيا ولكن السؤال ماهي الطرق الآمنة لاستئناف حياة ديمقراطية حتى لو أدى بنا الأمر إلى تعليق العمل بالدستور الحالي والاستعداد لاطار جديد لتنظيم حياتنا العامة؟
لعلّ العيب الأساسي لدستور 2014 هو تعسير كل إمكانيات اصلاحه من الداخل واشتراط أغلبيات مستحيلة ووضع شروط شبه تعجيزية لاصلاح منظومة الحكم من داخلها.

إنّ الاستخفاف بعملية الخروج الفعلي على أحكام دستور 2014 موقف لا ينبغي البناء عليه كما أن العودة السريعة إلى العمل وفق دستور ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات ويؤسس إلى تفريق جدي بين السلط مسألة أساسية حتى لا تتيه البلاد في مغامرة غير محسوبة العواقب، ولكن كيف يمكن ضمان الخروج الوقتي والسريع والآمن من دستور 2014 نحو دستور جديد يؤسس لديمقراطية فعلية وناجعة لا لشكلانية دورها الوحيد التسويق لحكم تسلطي بعناوين براقة؟

بداية ينبغي استفتاء التونسيين حول هذا الخروج في حدّ ذاته وحول الجهة المخولة لصياغة دستور جديد،وهذا تقريبا ما أعربت عنه المنظمة الشغيلة على لسان أمينها العام نور الدين الطبوبي.

والسؤال هو من هذا الصنف: هل توافق على الخروج من دستور 2014؟ وينبغي هنا أن تحرز اجابة نعم على نصف المسجلين في القائمات الانتخابية زائد واحد، وإذا لم يحصل ذلك فهذا يعني أننا سنعود إلى دستور 2014 مع كل اكراهاته وأن هذه العودة ستكون ملزمة لكل السلط العمومية.
لنفترض الآن أن أغلبية المسجلين أجابوا بنعم.

سيأتي السؤال الأهم: من هي الجهة التي سيُعمد إليها صياغة الدستور الجديد؟ لجنة خبراء يعيّنها رئيس الدولة أم هيئة منتخبة؟

قد يبدو للبعض أن هيئة خبراء هي الأسرع والأنجع ولكن من يضمن استقلاليتها وتعدديتها؟ ثم - وهذا هو الأهم - من يضمن شفافية أعمالها وتفاعل سائر المواطنين مع مقترحاتها ومضامينها؟ في الحقيقة لا أحد، ولكن الأمر سيكون مختلفا تماما مع هيئة منتخبة تكون محدودة العدد (بعض العشرات) وذات مهمة وحيدة (صياغة الدستور) وفي زمن معقول (ستة أشهر مثلا).

يبدو لنا أن انتخاب هيئة وطنية لصياغة الدستور (مجلس وطني تأسيسي ثالث بعد مجلسي 1956 و 2011) هو الصيغة الديمقراطية المثلى لانجاز دستور جديد تحت رقابة كل قوى المجتمع المدني ثم يُعرض بعد ذلك على الاستفتاء حتى يقول الشعب كلمته النهائية فيه.
ورغم ادراكنا للمزالق الممكنة لهذا المسار إلا أننا نعتقد أن تأمين الخروج من دستور 2014 إلى دستور ديمقراطي تشاركي جديد لا يمكن أن يتم إلا بصيغة تضمن التشاركية الفعلية أي عبر الاستفتاء أولا وانتخاب هيئة وطنية ثانيا والاستفتاء على النص النهائي ثالثا وهكذا يمكن أن نذهب إلى انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية، وفق هذا الدستور الجديد في أفق صائفة أو خريف 2022.

وفي الأثناء تحتاج البلاد إلى حكومة فعلية وجدية لمعالجة فورية لأهم التحديات المالية والاقتصادية والاجتماعية المطروحة على البلاد.
إنّ أخطر ما يتهدد البلاد هو سعي بعضهم إلى استغلال الوضع القائم لتمرير مشروع جديد للحكم دون مداولة شعبية ونقاش وطني في الفضاء العام.
صحيح أن الطريق المؤدية إلى الجحيم عادة ما تبلط بالنوايا الحسنة ولكن العبرة هنا بالخواتيم وبمعرفة هل نريد وطنا يتسع للجميع أم وطنا ينحته الحاكمون اليوم فقط؟
ذلك هو السؤال..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا