في استشارة شركات صينية وتركية لتصنيع 180.000 بدلة قتالية للجيش التونسي: عندما تفقد الدولة صوابها !

خبر لا يكاد يصدق ! وزارة الدفاع تريد اقتناء 180.000 بدلة قتالية سنويا في إطار صفقة إطارية تمتد لثلاث سنوات.. وقد اختارت وزارة الدفاع

أن تقوم باستشارة خمس شركات، واحدة فقط تونسية مقابل اثنتين من الصين وكذلك من تركيا في صفقة تقدر قيمتها الإجمالية بحوالي 75 مليون دينار كما بيّن ذلك نافع النيفر في تدوينة لإطلاق صيحة فزع أمام هذا السلوك الغريب وغير المسبوق للدولة التونسية ممثلة في وزارة الدفاع الوطني ..
إثر انتشار الخبر أصدرت وزارة الدفاع بيانا باهتا حاولت فيه تبرير ما لا يبرر وتقديم الأمر وكأنه مسألة عادية لا تستحق كل هذه الضجة التي أثيرت حولها ..
هل نحتاج دوما في هذه البلاد إلى التذكير بالبديهيات والأساسيات ؟! هل تجهل الدولة التونسية أن الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي شهدناها سنة 2020 تحتاج منا،في أضعف الحالات،إلى ثلاث سنوات عمل واستثمار لاسترجاع مستوى...2019؟! وأن الإنفاق العمومي الموجه هو أحد الوسائل لاستعادة الحيوية الدنيا لآلتنا الإنتاجية ؟ هل تجهل الدولة كل هذا؟ وهل تريد الحفاظ على مواطن الشغل في الصين وفي تركيا أم في تونس؟!
وهل تريد أن تخلق القيمة المضافة في بلادنا أم في ما وراء البحار والمحيطات ؟
ترى هل تعجز مؤسساتنا الوطنية على تصنيع احتياجات جيشنا الوطني وهي التي توفر البدلات المدنية والعسكرية لعدة دول في العالم ؟ وعلى افتراض وجود بعض الصعوبات ألم يكن من الأجدر مزيد تقسيم هذه العروض ودعم الشركات الوطنية القادرة على إنجاز هذه البدلات ولو كان ذلك بكلفة أرفع ،علما وأننا سنقتني هذه البدلات من الصين وتركيا بالعملة الأجنبية وكاش في حين ستدفع وزارة الدفاع ،لو فكرت قليلا فقط،بالدينار التونسي لشركات ستحافظ بفضل ذلك على مواطن الشغل هذا إذا لم تنتدب المزيد من العمال ثم ستدفع الضرائب للدولة التونسي وستوزع قدرة شرائية إضافية مباشرة وغير مباشرة ..
حتى لو كان ثمن المؤسسة التونسية هو ضعف ما تطلبه الشركة الأجنبية فالعقلانية الاقتصادية للدولة تقتضي -دوما- تفضيل المزود الوطني للاعتبارات التي سقنا بعضها آنفا ولأنها عملية رابحة ماليا واقتصاديا واجتماعيا خاصة في هذا الظرف العصيب التي تمر به جل مؤسساتنا الاقتصادية ..
الغريب في كل هذا هو كيف لا تفكر الدولة بالحدّ الأدنى من الانسجام والعقلانية؟ وكيف تتصرف بعض وزاراتها وكأنها شركات خاصة لا تعنى إلا بالسعر وسرعة توفير البضاعة؟ وذلك دون النظر إلى الإنفاق العمومي اليوم كأحد أهم محركات دفع عجلة النمو بعد التراجع الرهيب لسنة 2020 والذي قارب %9 من الناتج المحلي الإجمالي !!
العقلانية تفترض أن تقتني كل الوزارات والمؤسسات العمومية حاجياتها من السوق الداخلية ،بل وان تتوسع في هذا الإنفاق عساها بذلك تعجّل في سرعة الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة .. السؤال المحيّر هو أين الدولة؟ أين سياساتها العمومية العقلانية ؟ أين هو حضورها الذهني؟ أين هي خطط الإنقاذ ؟ أين هو العقل في نهاية المطاف إذا ما قلنا،وفق هيغل،بأن الدولة هي العقل وأن ذلك يقتضي دوما البحث عن النجاعة الأكبر والنتائج الأهم بأقل طاقة ممكنة ..
لا نريد أن نحمّل وزارة الدفاع أكثر ممّا تحتمل، ولكننا هنا بصدد دفع فاتورة المعارك الصبيانية لرأسي السلطة التنفيذية فبدلا من التنسيق والتعاون من أجل إنفاذ السياسات الملائمة وإضفاء الانسجام على كل قرارات الدولة،نجد أن هذا الصراع الغبي في تصاعد مستمر وهو الآن يستنزف جلّ الطاقات والجهود، والنتيجة ان جلّ مؤسسات الدولة اليوم تشتغل وفق اليومي والمتاح في ظل هذه الأمواج العاتية ..
في دولة تحترم نفسها وشعبها وبعد سنة كارثية كالتي عشناها تكون قد أعلنت بعد عن برنامج إنعاش اقتصادي يقتضي زيادة بمليارات الدنانير لضخها في آلتنا الإنتاجية حتى تستعيد الحدّ الأدنى من عافيتها ،بدلا عن ذلك تتضارب القرارات وتتصارع الإرادات فيضعف التركيز على مصالح البلاد وتستفيد بذلك شركات في .. الصين وفي تركيا ..
متى ندرك أن السياسة تتجاوز الخطب العصماء والجوفاء عند البعض والتكتيك والتكمبين عند البعض الآخر ..السياسة هي أولا وقبل كل شيء حسن تدبير الأمر العام وحماية المصالح الوطنية والاستغلال الأمثل لمواردنا المادية والبشرية .
فعلا انه «شيء يوقف المخ !» على حدّ عبارة صديقنا نافع النيفر ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا