مــــــــأسســـــة الفســـــــــــــاد

كلّما اقترب موعد «الاحتفال بالثورة التونسية» تضاعف عدد الأسئلة التي يطرحها التونسيون على النخب التي تحمّلت «هندسة المسار» من حيث الأداء وكتابة الدستور،

وسنّ التشريعات ورسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية وإدارة الخلافات والأزمات وغيرها من المسائل التي صارت اليوم مثيرة للجدل. وغير خاف أنّ هذه المساءلة تجد مشروعيتها في ظلّ المناخ النفسي العامّ الذي أضحى فيه الإحساس بـ«انسداد الأفق» مسيطرا والعنف اللفظي سائدا. ولعلّ ما يسترعي الانتباه في تصريحات الشخصيات السياسية الصادرة في الأسابيع الأخيرة، والخطابات التي يصوغها عدد من المهتمّين بالشأن العامّ الإجماع الحاصل بشأن خروج التجربة التونسية عن المسار ‘المتوقع’ (بعد حصول الرباعي الراعي للحوار على جائزة نوبل)، وانحرافها بل «فشلها».

أمّا الفشل فإنّه يعزى إلى عوامل مختلفة منها ما يتعلّق بالنخب غير الحاملة للشروط التي تؤهلها للحكم، وفي مقدّمتها امتلاك تصوّر ومشروع، والقدرة على ابتكار الحلول واستشراف المستقبل، ومنها ما له صلة بتمثّل التونسيين للوطن والقانون والدولة والسلطة ومسار التحوّل الديمقراطي... وفهمهم للعلاقة التي تربطهم بالدولة ومدى استعدادهم للمشاركة في عمليّة البناء وبناء الثقة في المسؤولين.

ولا يمكن التغاضي عن أسباب أخرى لهذا الانحياز عن المسار الديمقراطي لعلّ أهمّها تفشي الزبونية السياسية التي ظلّت طيلة فترة حكم بن عليّ، مضمرة فإذا بها تتحوّل بعد رحيله، إلى ممارسة مشرعنة وممأسسة وهو ما جعل الهيئات والمؤسسات الضامنة للممارسات الديمقراطية تجد صعوبة في إثبات وجودها ومقاومة أشكال الفساد بل إنّ المسؤولين عن الرقابة والاستقصاء والتحقيق في ملفات الفساد صاروا تحت الضغط والترهيب، والتخويف ومن هنا بات الحديث عن الاستقلالية والنزاهة أقرب إلى اليوتوبيا. فكيف يمكن لهذه الفئة أن تعمل في مناخ يسوده الخوف؟

لقد نجم عن تعدّد العقبات والعراقيل تحوّل مشروع مقاومة الفساد إلى شعارات يوظفها السياسي لكسب معركة انتخابية أو للتموقع أمام خصومه. ولكنّه ما إن ينطلق في «الحرب» على الفساد حتى يدرك أنّه عاجز عن تحويل هذا المشروع إلى سياسة حكومة باعتباره لا يملك القدرة على إقناع أهل السياسة وأصحاب المال والأعمال ومن دار في فلكهم من إعلاميين وغيرهم، بأن يكونوا شركاء في التصدّي للفساد. أمّا الّذين زعموا أنّهم يقاومون الفساد وهدّدوا بالكشف عن أسماء المورّطين فقد احتفظوا بالملفات لتحسين موقعهم في التفاوض وجعلوا مصالحهم فوق مصلحة الوطن مثبتين بذلك أنّهم حوّلوا الوقوف بوجه المفسدين إلى علامة سياسية تستثمر في الجولات الانتخابية والتفاوض حول المشاركة في الحكومات.

وعندما تعجز النخب المسؤولة عن إدارة البلاد في تحويل مشروع التصدّي للفساد إلى أولويّة وفعل في الواقع من أجل تغييره بقوّة القانون والإرادة السياسية تتحوّل الظاهرة إلى اخطبوط ومارد جبّار يهيمن على جميع القطاعات بما فيها الصحّة والتعليم والمعرفة والثقافة والإعلام وغيرها. وهو ما يجعل بعض الفاعلين في السياسية والثقافة والاقتصاد والقانون والجامعة وغيرهم من مكونات المجتمع المدنيّ «يسبحون ضدّ التيار» يكتفون بالفضح والمساءلة والمطالبة بالمحاسبة ولكنّهم لا يجدون أذنا صاغية ولا حليفا قادرا على مقاومة الإفلات من الحساب.

تبدو حصيلة عشرية من التحولات على مستوى النظام السياسي ودور الأحزاب وأداء البرلمانيين والمسولين في مختلف القطاعات الحيوية وكذلك على مستوى القيم الاجتماعية والحركات الاحتجاجية فضلا عن التحولات الحاصلة في المفاهيم والتصورات وغيرها محفّزة على فتح باب النقاش المجتمعي المشفوع بالمحاسبة الفعلية إذ ما عاد بالإمكان الاستمرار. قد يتصوّر البعض أنّه بالإمكان ترويض الشعب التونسي لأنّه «سلميّ بالفطرة والطبيعة» وقد اعتاد من زمان، الخضوع والرضا بالمكتوب وها هو اليوم يكتفى بالولولة على حائط المبكى الفايسبوكي ولكن مخطئ من يتوهّم أنّ هذه الأجيال التي نشأت في سياق «ما بعد الثورة» حيث هشاشة الدولة وغياب المعايير والشخصيات القدوة وتقهقر المؤسسات المسؤولة عن التنشئة وخفوت آلية الضبط الأسريّ، وانهيار المنظومة القيمية ستتبنّى موقف الاستكانة، وسترضى بالوضع الراهن بدعوى أنّ مسار التحوّل عسير وأن السياق العالمي زاده تعقيدا...

إنّ هذه القوى الجديدة التي تشكّلت في سياق جُرّدت فيه المصطلحات والقيم (الحرية، الكرامة، العدالة، المساواة...) من دلالاتها ومعانيها ستتحرّك وفق مقدار الغضب والاستياء والكره والرغبة في الانتقام الذي سكن وجدانها وقديما «أحرق نيرون روما»...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا