الأحزاب و«الوسطيّة والاعتـــدال والحـــداثية»

تعرّف حركة النهضة نفسها بأنّها معتدلة ووسطيّة حتى ترسم حدودا بينها وبين حركة الإخوان المسلمين من جهة، والجماعات الراديكالية

من جهة أخرى. وقد سمح لها هذا التموقع بأن تعقد، في الداخل، ائتلافات وتكتلات مع عدد من الأحزاب على قاعدة «التوافق»/المصالح. أمّا على الصعيد الخارجيّ فقد نجح القياديون من خلال مداخلاتهم وحضورهم في الإعلام، في التسويق لهذا التوجّه حتى باتت وسطية حزب النهضة واعتداله براديغما مركزّيا في أغلب الدراسات الغربية التي رصدت فاعليّة هذا الحزب خلال سنوات التحوّل الديمقراطي.

ولئن كان سياق الإقصاء قد أجبر القيادات على اختيار شعار الوسطية الذي تجلّى في حركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات سنة 2005 فإنّ انتخابات 2011 كانت محفّزا على توظيف الوسطية والاعتدال (على المستوى الأيديولوجي وتحديد الأهداف والطموحات...) لاستقطاب الجماهير والدخول في العمل السياسي. وقد فرض وصول النهضة إلى الحكم وبناء علاقاتها مع الآخرين دعم خيار الاعتدال/الوسطية والقبول بالتعددية الحزبية وما يترتّب عليها من نتائج. ولكنّ الفرضيّة التي طبقت في البلدان الشيوعية، القائمة على أنّ تشريك الخصوم يفضي إلى خضوعهم لضوابط الديمقراطية أثبتت عدم جدواها في التجربة التونسيّة. فبدل أن تقنع النهضة «صقورها» والسلفيين بأهميّة المسلك «الوسطي المعتدل» غذّت التوجّه الأصوليّ،

وخلقت مواجهة مع السلفيين الحالمين بتطبيق الشريعة أفضت إلى التطرّف. وعلى هذا الأساس لم يكن تشريك النهضة في الحكم ، وإيمانها بالديمقراطية سببين لتوجهّها نحو الوسطية في مرحلة ما بعد الثورة postrévolutionnaire (كما يزعم عدد من الدارسين(، بل كانت «وسطيتها» مرتبطة باستراتيجيا قبليّة لازمت الحركة منذ تأسيسها1981 تمثّلت في انتهاج البرغماتية والمرونة والقيام بالتنازلات وفق موازين القوى والسياق الإقليمي أو العالمي. وانطلاقا من هذا التوجّه كان على النهضة أن تبني خياراتها السياسية في اتجاهين: مع الأحزاب «العلمانية» ومع السلفية. وليس إقصاء «جبهة الإصلاح» ثمّ أنصار الشريعة إلاّ شهادة «حسن نيّة» على أنّ النهضة قطعت مع الراديكالية ، و«تطبعت» مع المناخ الجديد وصارت «وسطية معتدلة متونسة».

ولمّا كان المسار التحول الديمقراطي عصيبا فقد اجبرت النهضة مثلها مثل سائر الأحزاب الأخرى على المرور باختبارات تثبت إمّا الوسطية أو الحداثة ، وهذا يعني أنّ هذه الشعارات والنعوت (وسطيّ معتدل، حداثي، تقدّمي، ...) الحاضرة في الخطاب السياسيّ بقوّة في المواجهات والمناظرات، والحملات الانتخابية لا تستقر على حال بل هي متحرّكة ، لزجة يكفي أن نتذكّر موقف الأحزاب «الديمقراطية» من التناصف، وتشريك النساء في مواقع صنع القرار وقضايا الحريات والمساواة كالمثليّة، والمساواة في الميراث، وحريّة التعبير، وحريّة الإبداع... لنفهم أنّ من نعتبره «ظلاميا» رشّح النساء لمناصب هامّة، ولم يمانع في تطبيق التناصف. وفي المقابل من كان يتموقع باعتباره حزبا ليبراليا حداثيا ووسطيّا «قلب تونس» قد صار اليوم في تحالف مع حزب يعرّف نفسه بأنّه «مدافع عن الهوّية و الإسلام».

ليست الوسطية والاعتدال من السمات المميزة للنهضة فقط، وليست الحداثة والتقدمية حكرا على الأحزاب المقابلة بل هي مفردات ونعوت متحوّلة لا تثبت على حالها لأنّها مشاعة ومتوفرّة في سوق السياسية كلّ يوظّفها بطريقته متى احتاج لها في سعيه إلى السلطة. فعندما اعترف «نداء تونس» بالنهضة صارت في الخطاب السياسي «حزبا وسطيّا» وشهد لها بقدرتها على التكيّف مع السياق «الليبرالي» . ولكن ما إن تغيّر السياق حتى عادت النهضة في انتخابات 2019 بجناحين ولسان حالها: إن لم تقبلوا بوسطيتنا فسنكشف لكم عن وجه آخر.

توضّح الأحداث الأخيرة إفلاتا من العقال، وخروجا عن السلوك المتوقّع من نوّاب/ قياديين في الأحزاب يفترض أنّهم مسؤولون. فلا مكان إذن للوسطية والاعتدال ولا «للتقدمية» و«الحداثية»... سقطت الأقنعة وكشفت العورات، وفقدت الكلمات معانيها، وما عاد براديغم الوسطية أساسيّا لفهم الإسلام السياسيّ... فابحثوا لكم عن نعوت جديدة وتوصيفات بكر وتحليلات مغايرة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا