الياس الفخفاخ وشبهة تضارب المصالح: في مضار إستراتيجية الدفاع عن النفس

مازالت البلاد تعيش تحت وطأة شبهة تضارب المصالح المتعلقة برئيس الحكومة الياس الفخفاخ فزاد على أزماتنا الهيكلية شبح أزمة

سياسية خانقة تتحكم في زمنها جملة من التحقيقات الإدارية والبرلمانية والقضائية، مضيفة بذلك غموضا على غموض وحولت وجهة النقاش العام من تبيّن أفضل السبل لمواجهة أزمة مالية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة في تاريخ البلاد إلى عودة الفرضيات حول بقاء الحكومة أو استقالتها وعلى كل قدرتها على مواجهة ناجحة لهذا المستجد والذي لا يتعلق بأدائها أو أداء وزرائها بل بهذه الشبهة المتعلقة برأسها وما تضفيه من مناخ ضاغط وغير سليم على الحياة العامة والإدارة وعلى كل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في الداخل وكل شركائنا في الخارج ..
يظهر من كل إجابات الياس الفخفاخ حول هذه المسألة، وآخرها حواره على موقع نواة يوم أمس ،انه متأكد بأنه لم يخطئ ولم يتجاوز القانون وأن مسار الصفقة المعنية انطلق قبل توليه رئاسة الحكومة وانه لم يتدخل في مسار إبرامها النهائي مطلقا وانه قام بالإجراءات المنصوص عليها قانونا والتي لا تمنع المتبوئ لرئاسة الحكومة من امتلاك أسهم بل فقط امتلاك شركة أو تسييرها أو احتلال أي موقع قرار داخلها..وانه درءا لكل الشبهات قد بادر ببيع أسهمه وبالتالي فالموضوع قد طوي وأن جل من يثيرونه اليوم إنما تحركهم في ذلك دواع غير نبيلة وهم متخوفون من عزم الحكومة الصادق على محاربة الفساد فأرادوا أن يشوشوا على عملها بتضخيم جزئيات وتواريخ والإيحاء بسوء نية رئيس الحكومة ولم ينتظروا أي تحقيق جدي في الغرض لا إداريا ولا قضائيا وانه عند عهده بالاستقالة لو بين التحقيق الإداري في الأيام القريبة القادمة أو التحقيق القضائي أنه خالف القانون وسعى بتحصيل فائدة لنفسه دون موجب حق.
لاشك انه من حق أي مواطن الدفاع عن نفسه وشرفه وان يتمتع بقرينة البراءة ما لم تتم إدانته من قبل محاكمة عادلة تتوفر فيها كل ضمانات حق الدفاع، ولكن السياسيين وخاصة منهم كبار المسؤولين في أجهزة الدولة، لا يمكنهم أن يتمتعوا عمليا بنفس السياقات المتاحة للأفراد العاديين لأنه لو لم تقدم الحجج الدامغة لتفنيد شبهة تضارب المصالح وبقينا في منطقة رمادية تسمح بالتأويل ونقيضه فالشبهة هنا لن تطال الفرد فقط بل المؤسسة التي يمثلها وهنا نتحدث عن أعلى واهم مؤسسة في الدولة وهي الحكومة أي مركز السلطة التنفيذية وإنفاذ السياسات العمومية واليد الطولى للدولة في المراقبة والعقاب .
لا يوجد دليل – إلى حد الآن – يسمح بالشك في نوايا الياس الفخاخ التي اعلن عنها منذ البداية ولكن رئيس الحكومة لم يصارح التونسيين بالحقيقة كاملة منذ البداية وبقي يقسط المعلومات حسب الضغوط المسلطة
فمن شركتين أو ثلاثة نجد انه يمتلك خمسة في الحقيقة ومن صفقة تم «الحسم» فيها في أواخر 2019 نجد أن إمضاءها تم في افريل 2020 ومن القول بأن هيئة مكافحة الفساد على علم بكل شيء، إلى تأكيد رئيس الهيئة أمام اللجنة البرلمانية المختصة بأن رئيس الحكومة لم يعلم الهيئة بتغير وضعية الشركات التي يساهم فيها وبأنها في علاقة تجارية مع الدولة، وهو ما يمنعه القانون صراحة رغم بعض «التأويلات» القريبة إلى غير ذلك من المناطق الرمادية الداكنة والتي لم يتمكن الياس الفخفاخ من الخروج منها بما في ذلك في حواره ليلة أمس على موقع نواة رغم النبرة الهجومية التي اعتمدها.
لاشك أن المحاكمات الإعلامية خطيرة واتهام نوايا الناس انحراف لا يمكن القبول به لا مع الياس الفخفاخ ولا مع غيره ولكن القضية الأساسية تتعلق بالجانبين الاتيقي (Ethique) والسياسي لإدارة الحكم وحول الضرر الذي سيلحق بالحكومة وبالبلاد لو استمرت هذه الشبهات دون حسم واضح وجلي في أي اتجاه من الاتجاهات ..
الحكومة تقول لننتظر التحقيق الإداري ،ورغم أن ذلك يستبطن تهميشا وتحقيرا لعمل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهي جزء من أجهزة الدولة لا من المجتمع المدني وكذلك استبعاد التحقيق البرلماني باعتباره «مسيسا» ثم وبغض النظر عن خضوع الرقابة الإدارية لسلطة من ستقوم بمراقبته.. ولكن ماذا لو لم يكن تقرير الرقابة الإدارية حاسما؟ أي لو تضمن جملة من الاخلالات دون أن يوصفها ودون أن يستنتج استنتاجات عامة من صنف تأكيد أو نفي تضارب المصالح وخرق القانون ؟ ماذا ترانا فاعلين آنذاك؟ أنقول أن الهيئة الرقابية التابعة للادارة التونسية قد أدانت رئيس الحكومة لأنها سجلت جملة من الاخلالات أم أنها برأته لأنها لم تقل بأن هذه الاخلالات جسيمة ومخالفة بصفة صريحة للقانون؟
كيف سيكون وقع هذا الجدل على الحكومة؟ وكيف سيعيش المواطنون على وقع جملة هذه التحقيقات الإدارية والبرلمانية أيضا رغم استنقاصها من قبل السلطة التنفيذية وبصفة قبلية !! هل سنكون أمام حكومة قادرة على الإصلاح وإنفاذ سياسات عمومية جريئة ولها قدرة تفاوضية واسعة ؟ أم سنكون أمام حكومة خجولة لا تعرف متى سيضطر رئيسها إلى الاستقالة أو متى سيجبر على الإقالة؟ وهل ستتمكن هذه الحكومة من التعامل الجدي مع كم الاحتجاجات الاجتماعية التي تنتظرها ؟ وهل ستكون قادرة على حشد الدعم الوطني والخارجي لكل مشاريعها وسياساتها؟
لا نعتقد أن وطنيا واحدا كان يتمنى حصول هذه الأزمة ولكن ما العمل وقد فرضت علينا هذه القضية فرضا وهي لم تنبت من أوهام ومخططات بعض «المتآمرين» بل هي وثائق رسمية لم ينكرها المعني بالأمر؟ ماذا عسانا نفعل؟ نخضع لهوى النفس ولسلطان النرجسيات أم نقر بما حصل ونقدر، معا، المصلحة العليا للبلاد؟
من ينكر منا أن الدولة القوية والعادلة وفوق كل الشبهات هي الشرط الأول والضروري لكل إصلاح؟
ينبغي أن نضع عقولنا وكل حواسنا بين قوسين لكي نعتقد بأن هذا الشرط مازال متوفرا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا