بعد أن استحال تشكيل حكومة «الخط الثوري» على «نهج الرئيس» ماهي المتاحات أمام إلياس الفخفاخ ؟

بات من الواضح أن الحكومة التي أرادها رئيس الجمهورية وحلم بها الياس الفخفاخ أضحت مستحيلة التشكيل.

وإذا ما قبرت هذه «الحكومة الثورية» قبل ميلادها فلا يعود ذلك بالأساس إلى رغبة حركة النهضة في إقحام قلب تونس فيها بصورة أو بأخرى بل السبب الرئيسي هو عملية لي الذراع المتواصلة بين الرئيسين : رئيس الدولة من جهة ورئيس مجلس نواب الشعب من جهة أخرى إذ رأى هذا الأخير في «حكومة الرئيس» قفزا بل ومحوا للحظة البرلمانية وشرعيتها لفائدة اللحظة الرئاسية فقط لا غير ..

ولقد نجحت حركة النهضة خلال هذين الأسبوعين في إثبات أنها اللاعب الأول – بالسلب أو الإيجاب – في كل مسار حكومي وإن إرادتها حتى وإن لم تتمكن لوحدها من تشكيل حكومة ،تجربة حكومة الجملي ليست عنا بالبعيدة ،إلا انه لا إمكانية سياسية (ولا نقول حسابية) لتكوين حكومة دون دعمها ورضاها ورغبتها..
لقد اعتقد المكلف بتشكيل الحكومة والفريق الصغير المحيط به انه بالإمكان «إقناع» حركة النهضة بالتمشي السياسي الذي اختاره الفخفاخ منذ البداية سيما انه لم يفعل سوى ترديد ما كانت تقوله القيادات النهضوية قبل أسابيع قليلة ولكن اتضح أن القراءة السياسية التكتيكية للمكلف ولفريقه كانت خاطئة تماما وان حركة النهضة لا يمكن جرها الى مربع لا تريده وبهذه الطريقة ..

دون أية مجازفة نقول بأن الحكومة التي أرادها رئيس الدولة باختياره لشخصية لم تقترحها الكتل الأساسية في المجلس وبهذا الوضوح الصريح الذي كان عليه الياس الفخفاخ في ندوتيه الصحفيتين .. هذه الحكومة قد وئدت قبل ولادتها ولم تعد اليوم موضوعا جيدا للنقاش ..

هل يعني هذا أن الياس الفخفاخ قد فقد كل أمل في تشكيل حكومة قادرة على نيل ثقة مجلس نواب الشعب ؟

سياسيا وأخلاقيا يجد المكلف اليوم نفسه أمام طريق مسدودة،أي انه عليه تغيير اختياره السياسي بصفة كبيرة للغاية حتى يتمكن ،نظريا ،من انجاز رهان تشكيل الحكومة ..

ولكن لهذا التغيير ثمن سياسي باهظ إذ يفترض الاعتراف بالخطإ الكبير في التقدير سواء صرح بذلك الياس الفخفاخ ،أم لا ،وهذا الخطأ الكبير يفقده بداية نصيبا ضخما من أهلية قيادة البلاد .

في صورة حصول هذا الاعتراف بالخطإ والإعلان عن تغيير طبيعة الحكومة نظرا لاستحالة انجاز الخطة الأولى وعلى افتراض أن الياس الفخفاخ سيقبل بدفع هذا الثمن يبقى أمامه خياران اثنان لا ثالث لهما باعتبار أن الخيار الثالث الوحيد هو الاستقالة منذ الآن أو الذهاب إلى المجلس بحكومة لا يسندها أحد..

الخيار الأول والذي تدفع إليه حركة النهضة بقوة وهي متبوعة الآن ببعض الكتل الأخرى هو حكومة «الوحدة الوطنية» أي حكومة تقحم قلب تونس بالأساس بعد «التشاور» مع قيادة هذا الحزب وحينها ستكون حكومة مكونة من النهضة وقلب تونس وكتلة الإصلاح الوطني مع احتمال أن تسند من قبل تحيا تونس وائتلاف الكرامة..

هنا قد يتمكن الفخفاخ من المرور أمام مجلس نواب الشعب ولكنه سيكون في تناقض كلي مع كل ما طرحه على التونسيين في ندوتيه الصحفيتين وسيظهر فقط بمظهر الانتهازي الذي يريد أن يكون رئيس حكومة بأي ثمن وسيبقى مع ذلك أسيرا للنهضة في حكومة لن يطول عمرها ..

هل سيقبل الياس الفخفاخ بهذا الحلّ ؟ المنطق السليم يقول لا ولكن للقلب حججه التي يجهلها العقل على حد عبارة الفيلسوف الفرنسي بلاز باسكال .

الحل الثاني الممكن أمام الياس الفخفاخ هو أن يقول للتونسيين ولكل الأحزاب والكتل الممثلة في مجلس نواب الشعب انه استحال تشكيل حكومة سياسية تشارك فيها القيادات الحزبية البارزة وأنه سيقدم للبرلمان حكومة متكونة من كفاءات وطنية لها تصور سياسي لمشاكل تونس وللحلول دون أن يكون لأعضائها انتماء حزبي من قريب أو من بعيد وانه سيجتهد في ما تبقى له من زمن دستوري (أسبوعان فقط) لتكوين فريق متجانس من ذوي الكفاءات العالية المشهود لها وطنيا وأنه سيطلب دعم مجلس نواب الشعب بكل كتله لان حكومته ستكون بالأساس حكومة إنقاذ، اي وقف النزيف المالي الذي ينخر المالية العمومية والتوازنات الكبرى للدولة،كما ان حكومته ستسعى جاهدة لإنعاش الاقتصاد الوطني ولتسريع انجاز المشاريع المبرمجة ولإعادة ثقة المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين المحليين والأجانب ،ثم أن يغامر بهذه الحكومة أمام مجلس نواب الشعب ..

الايجابي في هذا السيناريو أن الياس الفخفاخ لن يضطر لمناقضة نفسه في جوهر التمشي بل فقط في شكله ولكن تبقى أمامه صعوبتان كبيرتان :
بداية بإقناع كفاءات وطنية من الطراز الأول للالتحاق بهذه الحكومة غير مضمونة العواقب وثانية بإقناع أغلبية مجلس نواب الشعب بهذا التمشي الجديد / القديم.

في المحصلة أمام الياس الفخفاخ ثلاثة أبواب :
الاستقالة أو التناقض الجوهري الكلي أو التناقض الشكلي الجزئي دون ضمانة تذكر في هذا الباب الثالث .

قال قامبطا الزعيم الايطالي الكبير في القرن التاسع عشر أن «السياسة هي فن الممكن» وبعده قال الجنرال ديغول الفرنسي «انه لا سياسة جدية خارج الحقائق الواقعية»..

الإرادية في السياسة جيدة ولكن دون قراءة جدية لموازين القوى الفعلية لا المتوهمة توصل عادة إلى مغامرات قصيرة المدى .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا