بعد أن شارفنا على موعد الحسم: حملة تشريعية رتيبة بمذاقات محلية

دخلنا في النصف الثاني من الحملة الانتخابية الرسمية دون أن يحصل النقاش الوطني المطلوب حول السياسات

العمومية لمختلف الأحزاب والائتلافات والقائمات المستقلة المترشحة لهذا الاستحقاق الجوهري في ديمقراطيتنا الناشئة ..

في النظام السياسي التونسي، البرلمان هو المؤسسة السياسية الأساسية فأغلبيته هي التي تقترح رئيس الحكومة وهي التي تتولى تسيير السلطة التنفيذية وتمنحها الشرعية .

والحكومة المنبثقة عن البرلمان هي التي تضبط السياسات العامة للدولة باستثناء ما يتعلق بالديبلوماسية والدفاع وهذا يستوجب أن يكون لكل القائمات المترشحة لتمثيل التونسيين في البرلمان (ولاسيما تلك التي تعتقد أن لها حظوظا للمساهمة في تشكيل الحكومة القادمة ) تصورا عاما لهذه السياسات العمومية وبرنامجا تفصيليا لما تريد أن تحققه خلال الخماسية القادمة وأولوياتها في الميزانيات القادمة والإصلاحات التي تنوي إدخالها على الجباية أو دور الدولة الاقتصادي أو السياسات الاقتصادية الخ ..

ولكن ماذا وجدنا ؟
وجدنا عند الجميع شعارات عامة دون ترقيم او سياسات عمومية دقيقة أو أولويات منهجية مع تقديم كل قائمة حزبية او ائتلافية او مستقلة لجملة من التعهدات لبنات وأبناء الدائرة الانتخابية المخصوصة وكأننا في مناخ انتخابات محلية يكون فيها البعد الوطني ضامرا وإطارا عاما لتطبيق سياسات محلية في كل ولاية او دائرة انتخابية على حدة..

الغريب في بلادنا أن المترشحين لتمثيل الشعب لا ينخرطون بالوضوح الكافي في طبيعة نظامنا السياسي فوجدنا حملة انتخابية رئاسية غلبت عليها المقترحات لسياسات عمومية اقتصادية واجتماعية أي وكأننا في انتخابات برلمانية وكانت الحملة التشريعية الى حد الآن في ثوب انتخابات محلية في الأغلب الأعم .

قد تفسر الروزنامة الانتخابية شيئا من هذا الخلط بالتداخل بين هذين الموعدين الرئيسيين والذي ذهبت ضحيته بوضوح الانتخابات التشريعية اذ كان التركيز العام منصبا فقط على الرئاسية وعلى رهاناتها بما جعل الانتخابات التشريعية تفقد بريقها وجاذبيتها لعموم التونسيات والتونسيين .

ولكن المسالة لا تقف عند هذا الحد بل تبين أن جل الأحزاب والائتلافات والقائمات المستقلة لا تملك برنامج حكم حقيقي وفعلي وهي لم تشتغل عليه معتقدة ان الانتصار او الهزيمة في التشريعية لا يتعلقان بامتلاك برنامج حكم من عدمه بل بتوفر آلة انتخابية قادرة على حشد الأنصار وحصد الانتصار وبالتالي ورغم تقديم بعض الأحزاب لمشاريع برامج حكم إلا أن ذلك لم ينعكس في الحملة ولا كان في محور اهتمام الناخبين او المترشحين على حد سواء .

ويمكن ان نضيف كذلك عنصرا آخر لا يقل أهمية على سابقيه وهو عدم قدرة مختلف وسائل الإعلام على تاطير نقاش جدي حول السياسات العمومية للمترشحين بدءا من هيمنة الرئاسية على كل الأذهان - بما في ذلك أذهان الإعلاميين- ووصولا الى كثرة القائمات (معدل حوالي خمسين قائمة في كل دائرة انتخابية داخل التراب الوطني ) بما عسّر كثيرا تحقيق مبدأي العدالة بين المترشحين وإعلام الناخبين بمضامين مشاريعهم الوطنية ..

وفي المحصلة سيصوت التونسيون، مرة أخرى ،لأسباب لا يمت جلها لبرامج الأحزاب والقائمات المتنافسة بل لما يمثلونه إيديولوجيا ولتموقعاتهم على الخريطة السياسية ولعناصر أخرى معقدة تنتمي للمخيال الجماعي التونسي ..

التصويت على برامج حكم شعار جميل، ولكنه يبقى مجرد شعار للمترشح وللناخب وللفضاء العام على حد سواء .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا