الانتخابات الرئاسية المبكرة والتشريعية: الرهانات والتداخلات والحسابات

تخرج تونس تدريجيا من زمن الحزن على فراق أول رئيس منتخب بصفة مباشرة وديمقراطية وتستأنف السياسة

زمنها الذي لم يتوقف قط ولكنه توارى لأيام معدودات عن الأنظار .

ففي أيام الحداد الأولى تم الإعلان عن الروزنامة الجديدة للانتخابات الرئاسية المبكرة وتواصل تقديم القائمات المترشحة بنسق حثيث نظرا لانتهاء المدة يوم أمس والتي أفصحت عن ترشح أكثر من 1500 قائمة وبدأت الاستعدادات منذ لحظة الإعلان عن وفاة الفقيد الباجي قائد السبسي للمرحلة السياسية القادمة مع الاكراهات الدستورية التي فرضت تغيير الروزنامة الموضوعة سلفا من قبل هيئة الانتخابات ..

• يبدو أن قدرتنا على استباق الأحداث مازالت متواضعة، أربعة أشهر فصلت بين المصادقة على الدستور وختم قانون الانتخابات ورغم ذلك لم يتفطن أعضاء المجلس التأسيسي إلى أن هنالك تضاربا واضحا بين المدة المخولة للقائم برئاسة الجمهورية (من 45 إلى 90 يوما بنص الدستور ) وبين الروزنامة الممكنة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة تنتهي كل مراحلها قبيل هذه الآجال الدستورية الآمرة،كما لم يأخذ نواب مجلس الشعب بملاحظات هيئة الانتخابات المتعلقة بنفس الموضوع منذ سنة 2015 إلى أن وجدنا أنفسنا ولأول مرة أمام هذه الوضعية التي لم يحسن تأطيرها القانون الانتخابي لأننا لو طبقنا الآجال القصوى في كل المراحل (حوالي الشهر لكل دورة انتخابية) لخرجنا ضرورة عن الآجال الدستورية ولعاشت بلادنا أياما وأسابيع دون رئيس جمهورية شرعي ..

هذا هو الرهان الأول والأساسي في نظرنا لكامل هذا الموسم الانتخابي وهو احترام الآجال الدستورية إما بتنقيح القانون الانتخابي أو بالتزام المحكمة الإدارية وهيئة الانتخابات بالتقليص إلى الأقصى من الآجال المتاحة لكليهما في كل مراحل العملية أو بالتزام أخلاقي من المتنافسين وخاصة متنافسي الدور الثاني بألا يذهبا إلى الطعن لأتفه الأسباب وأن يعترف المنهزمون في الدور الأول أو المنهزم في الدور الثاني بهزيمته خاصة عندما تكون واضحة وبفارق يستحيل معه أن تؤدي التجاوزات - وإن حصلت - إلى غير النتائج المعلنة أوليا .

فالمسؤولية لا تلقى فقط على المؤسسات،وعلى رأسها الهيئة العليا للانتخابات ، بل وكذلك على كافة المترشحين لكرسي قرطاح بأن يتحلوا بالروح الرياضية اثر إعلان النتائج الأولية وألا يدفعوا البلاد إلى خرق الدستور لأتفه الأسباب ..

• أما الرهان الثاني والملقى على كل المترشحين للتشريعية وللرئاسية المبكرة من أحزاب وائتلافات ومستقلين فهو أن ييسروا عمل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وأن يقبلوا بصدر رحب كل قراراتها بدءا بالروزنامة حتى وإن كان في هذه التواريخ بعض الضغط عليهم أو إفساد لبعض حساباتهم ..
فلو أردنا جميعا أن نجعل من هيئة الانتخابات حكما محايدا فوق الصراعات فالواجب هو قبول قراراتها دون ضغط وجدل قد يؤديان إلى نوع من الاضطراب عند المواطنين ويعكسان صورة سلبية من جديد عن الأحزاب والسياسيين باعتبارهم أهل خصومات لا تنتهي وحسابات مصلحية ضيقة لا علاقة لها بمصلحة البلاد ..

اليوم الثلاثاء 30 جويلية تلتقي الهيئة بممثلين عن الرئاسات الثلاث وعن الأحزاب المشاركة في هذه المنافسات لشرح اكراهات الروزنامة وضرورة الإبقاء على مسار الانتخابات التشريعية كما هو دون تغيير لا بالتقديم ولا بالتأخير وأن موعد 15 سبتمبر هوالموعد الممكن الوحيد لإجراء الدور الأول للانتخابات الرئاسية مع أمل تضافر الجهود لإتمام انتخاب رئيس الجمهورية قبل نهاية عهدة الرئيس المؤقت ..

بطبيعة الحال قرار هيئة الانتخابات ليس منزها عن النقد أو الاعتراض ولكن السياسيين الجديين هم من يسبّقون «الأهم عن المهم» ومن يرضون بضغط الروزنامة واضطراب الحسابات من اجل ضمان الأساسي وهو مصداقية الهيئة وهيبتها ومصداقية المسار الانتخابي وشفافيته والسعي كل السعي لاحترام الآجال الدستورية، إذ لو شرّعنا لتجاوز احترام الشكل والإجراءات والآجال لشرّعنا لإهدار الحقوق ومن ثمة إفراغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي ..

ومن مسؤولية الأحزاب والمستقلين والشخصيات المترشحة للرئاسية السابقة لأوانها ومن كانوا بالأمس القريب معترضين على عدم ختم الرئيس الراحل لتنقيحات القانون الانتخابي..من مسؤولية هؤلاء جميعا أن يتم طي هذه الصفحة وإلا نربك المشهد مجددا بطلب ختم هذه التعديلات من قبل الرئيس المؤقت وان يتجه الجميع إلى التنافس الجدي والنزيه وفق القانون القائم ..

بإمكان كل المترشحين للاستحقاقات الانتخابية القادمة أن يسهموا بدور فعال في تهدئة المناخات وطمأنة التونسيين على حسن سير المسار الانتخابي عندما يقرون جميعا بما اقره الدستور للهيئة من ولاية عامة على الانتخابات وذلك باحترام قراراتها والروزنامة التي ستنشر غدا مفصلة ..

• ما من شك في أن وفاة رئيس الدولة ستمثل معطى جديدا في المسار الانتخابي قوامه التداخل القوي بين الرئاسية المبكرة والتشريعية، إذ سيدعى بداية التونسيون للدور الأول للرئاسية يوم الأحد 15 سبتمبر وقبل ذلك سيتم تقديم الملفات للهيئة المركزية من قبل المترشحين ما بين 2 و9 أوت القادم ..
بعد الدور الأول بثلاثة أسابيع ستنعقد الانتخابات التشريعية يوم 6 أكتوبر وعندها سيكون الجميع على بينة من المترشحين الاثنين للدور الثاني للرئاسية حتى قبل صدور النتائج النهائية والسؤال هنا ألن تحدد نتائج 15 سبتمبر مآلات نتائج 6 أكتوبر ؟ بعبارة أخرى ألن تستفيد الأحزاب والتيارات الفائزة في الدور الأول للرئاسية بموجة عارمة من التصويت لفائدتها في التشريعية مقابل انهيار ممكن لكل من انهزم يوم 15 سبتمبر ؟

نحن هنا أمام السؤال السياسي الأهم لكامل هذا الماراتون الانتخابي لقد حصل نقاش كبير حول روزنامة الانتخابات في 2014 وبأيهما نبدأ: بالتشريعية أم بالرئاسية أم بتزامن الاثنين معا ؟ وقد اختارت أغلبية الأحزاب حينها تقديم التشريعية على الرئاسية ..

في 2019 سنكون في وضعية خاصة إلى ابعد حد إذ لم تتقدم الانتخابات الرئاسية بصفة كاملة عن التشريعية بل أصبحت التشريعية تتوسط دورتي الانتخابات الرئاسية وهي تعقد بعد الإعلان الوقتي عن الفائزين في الدور الأول وسيكون الدور الأول للرئاسية بمثابة عملية بيضاء للتشريعية تعكس حقيقة الأحجام السياسية وخاصة بالنسبة للأحزاب المتنافسة في التشريعية والرئاسية والسؤال هو كيف سيتصرف الناخب يوم 6 أكتوبر وهو على علم بالنتائج الأولية التفصيلية للدور الأول للرئاسية؟ فعلى افتراض انه كان ينوي التصويت لحزب «س» ولكن مرشح هذا الحزب قد انهزم في الرئاسية وحصل على %4 من الأصوات مثلا، فهل سيواصل هذا الناخب التصويت لحزب «س» أم انه سينحاز الى احد الحزبين او الائتلافين الفائزين ؟وهنا ندرك المخاوف الكبرى لأحزاب عديدة صغرى ومتوسطة وكبرى تخشى من تراجع هام للتصويت لفائدتها على ضوء نتائج الدور الأول للرئاسية..

الأكيد اليوم أننا أمام فرضيات وأن لا أحد يستطيع التكهن لا بنتائج الدور الأول للرئاسية ولا بتصرف الناخبين بعده وهل أنهم سيعمقون اتجاه الدور الأول للرئاسية في الانتخابات التشريعية أم سيعدلونه ولكن الثابت ان «المعركة» الانتخابية لم تبدأ ، بعد وان ما سيحصل خلال الحملة الانتخابية في النصف الأول لسبتمبر قد يغير حسابات كثيرة وقد نتفاجأ بنتائج لا يمكن لأحد أن يتوقعها منذ الآن ..

نحن أمام مواعيد انتخابية حاسمة قد تغير المشهد الحالي بصفة هامة ولكن - وتلك هي إحدى مزايا الديمقراطية - لا احد يعلم سلفا مستقر كامل هذا المسار ..

الثابت الوحيد هو أن الناخبات والناخبين هم من سيهندسون المشهد القادم ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا