تنكصت عنها الأغلبية: في مسؤولية إرساء المحكمة الدستورية

بمناسبة مرض رئيس الدولة اكتشف النواب وخاصة منهم نواب الأغلبية الحالية والسابقة أن هنالك نقصا واضحا في

مؤسساتنا الدستورية وأن غياب المحكمة الدستورية يمثل أكثرها خطورة وحيوية .

حوالي ثلاث سنوات من المناورات والمناورات المضادة والتأجيل تبع التأجيل لنأتي في نهايات هذه العهدة النيابية دون إرساء مؤسسة دستورية من تلك التي افترضها الدستور في بابه السادس ولا استكملنا هيكلة السلطة المحلية بالانتخابات الجهوية ثم بتركيز الأقاليم وفوق كل ذلك مؤسسة المؤسسات وهي المحكمة الدستورية تاهت في ثنايا وكواليس التوافقات .

لسنا ندري هل أدرك نواب الحكم أساسا ونواب المعارضة كذلك كل ثقل المسؤولية التي ستقيّم بها هذه الخماسية ؟ كيف لم يركزوا جميعا ولو هيئة واحدة ؟ !

عندما اشترط الدستور الأغلبية المعززة لانتخاب وتجديد انتخاب أعضاء الهيئات الدستورية (ولم يشترط ذلك في المحكمة الدستورية) وعندما حددت القوانين الصادرة لحد الآن هذه الأغلبية بثلثي الأعضاء فإنما كان ذلك بناء على أمرين اثنين :
- عدم استئثار أغلبية ما بهذه التعيينات الحساسة
- الانخراط الايجابي للأقلية بالاقتراح والتصويت ولكن للأسف حضر في الواقع عكس هذين المبدأين فالأغلبية – أو بعض أحزابها- سعت للمغالبة ولوضع شروطها والأقلية – أو بعض أطرافها- أو غلت في استعمال حق الفيتو ونسيت هذه الأطراف (وعلى رأسها النداء ثم المشروع) أن الأساسي في العملية كلها هو تركيز المؤسسات لا تسجيل النقاط على الخصوم وانه لا وجود لشخصية واحدة حولها إجماع واسع وأن السعي المحموم –لو افترضنا حسن النوايا – لانتخاب الأفضل سيؤدي بنا إلى التعطيل الكلي كما هو الحال الآن وأن انتخاب المفضول هو المطلوب وان وضع الفيتو على هذه الشخصية او تلك يعسّر من هذه التوافقات بل ويسقطها في الماء كما هو الحال اليوم .

بل لقد وصل بنا الحال الى اليأس التام من هذا البرلمان وتأجيل مسألة انتخاب الأعضاء الثلاثة الآخرين( من أصل أربعة) العائدة مسؤوليتهم الى مجلس نواب الشعب إلى البرلمان القادم .ولو لا الوعكة الصحية الأخيرة لرئيس الدولة لحسم الأمر بهذه الشاكلة ..

والغريب أن كل النواب وكل أحزابهم مدركون للأهمية البالغة للمحكمة الدستورية لا فقط في حالات الشغور الوقتي أو النهائي لمنصب رئاسة الدولة بل وأساسا لملاءمة كامل ترسانتنا القانونية مع مقتضيات دستور 2014 وهذا عمل جبار يستوجب سنوات طويلة وجهدا كبيرا حتى تكون قوانينا فعلا مطابقة ومنسجمة مع الروح التحررية لدستور 2014..

ترى ما الأولى تمرير فلان أو علان أو رفض تمريرهما أو تركيز هذه المؤسسة الضرورية لدولة ديمقراطية ؟

نحن أمام نموذج صارخ لغلبة الحسابات السياسوية والشخصية الضيقة أمام ما تقتضيه مسؤولية سلطة تشريعية في مرحلة انتقالية وكيف أن غياب العقلانية هنا أو هناك يمكن أن تكون له انعكاسات كارثية..

يقول المثل «رب ضارة نافعة» فقد يكون لمرض رئيس الدولة (والذي نتمنى له بعد خروجه من المستشفى العسكري أن يتعافى كلية وان يعود إلى سالف نشاطه) دفع معنوي لا نجاز في هذه الأيام ما عجز البرلمان عنه على امتداد ثلاث سنوات ولكن شريطة تجاوز كل الحسابات أما لو بقيت حليمة على عادتها القديمة ولو احتفظ كل الفرقاء بشيطان في جيبه فحينها لا خير يرجى من هذه التوافقات وسيسجل التاريخ أن أول برلمان منتخب بعد الثورة قد عجز عن إرساء كل الهيئات الدستورية ..

مازالت هنالك فسحة من الزمن إن صدقت النوايا ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا