على هامش الأزمة المفتوحة داخل الجبهة الشعبية: ما معنى أن تكون تقدميا اليوم في تونس؟

الأزمة المفتوحة اليوم داخل الجبهة الشعبية أفرحت البعض وأحزنت البعض الآخر ولكنها فاجأت الكثيرين وقدمت حجة إضافية على ضعف

منظومتنا الحزبية وعلى الضيق الذي قد يشعر به من لا يزال مؤمنا بها.

في ظاهره الصراع داخل الجبهة الشعبية هو صراع بين مكوناتها وحول الرموز التي تمثلها وهي حرب مواقع تتغلف بأزمة حوكمة أو غياب لديمقراطية داخلية فعلية أدى إلى تصدع وقد يفضي لاحقا إلى انفجار ..
هنالك ولاشك مقادير من الحقيقة في كل هذه الفرضيات والتغيرات ولكننا نعتقد أن أزمة الجبهة الشعبية أعمق من ذلك بكثير ، إنها أزمة هوية ، أزمة تغاضت عنها كل القوى السياسية على امتداد عقود كاملة ..

ما معنى أن تكون يساريا اليوم ؟
هذا هو السؤال الجديد والذي أجابت عنه كل القوى اليسارية بصفة قديمة أي بالإجابات التي تبلورت في الفكر اليساري بمختلف مدارسه منذ أواسط القرن الماضي ..
ولعل الثورة التونسية قد أساءت كثيرا لليسار التونسي لانها أوهمته بانه كان على حق وأن الثورة أنصفته تاريخيا وبالتالي أعفته من كل مراجعة عميقة لمقولاته الأساسية ..
نحن لا نريد أن نقول بأن الحركات اليسارية سواء تلك المنحدرة من الماركسية اللينينية ،أو من القومية العربية لم تطور خطا بها او مواقفها، فالواقع يشهد على عكس ذلك قبل الثورة أو بعدها ولكننا نريد أن نقول بأنها لم تطور بصفة جذرية مقولاتها الاساسية وكذلك هويتها الفكرية والاجتماعية ..

ما معنى أن تكون يساريا اليوم ؟
الجواب كان واضحا إلى حدود خمسينات القرن الماضي ..
أن تكون يساريا يعني أن تكون اشتراكيا والاشتراكية تعني اما تأميم وسائل الانتاح أو الإقرار بمرحلة انتقالية للدول الخارجة من الاستعمار والتي يحصل فيها تحالف بين القوى «الوطنية» أي العمال والفلاحين والبورجوازية الصغيرة (النخب ) والبورجوازية الوطنية ، ولكن يبقى الهدف دوما هو تحقيق الاشتراكية أي الوصول إلى مرحلة تصبح فيها وسائل الإنتاج ملكا للشعب ..

ثم تطورت نسبيا هذه الافكار في العالم بمفهوم الطريق اللاراسمالية للتنمية أو العولمة البديلة الخ أي تعايش ظرفي مع الرأسمالية قصد القضاء عليها ..
التطور الهيكلي في اليسار العالمي هو إيمان قطاعات منه باقتصاد السوق (أي الرأسمالية) كالإطار العام لعلاقات الإنتاج مع دور رقابي وتعديلي هام للدولة وهذا ما أفرز التيارات الاجتماعية الديمقراطية ..

أما الجبهة الشعبية فقد بقيت ، في الظاهر على الأقل، لليسار الاشتراكي الذي يمثل بديلا جذريا عن كل السياسات الليبرالية ومناهضا للعولمة الخ.. ولكن ما هو الموقف الفكري – لا التكتيكي – لكل مكونات الجبهة من اقتصاد السوق أي من مركزية المبادرة الفردية في خلق الثروة ؟
لا نكاد نجد حتى بداية جواب مقنع وذلك لاعتبار بسيط بان مكونات الجبهة وقياداتها خاصة لمن يعودوا مقتنعين بنقيض اقتصاد السوق ،أي تأميم وسائل الإنتاج ، ولكنهم ليسوا قادرين على مواجهة قواعدهم والقول لهم بأنهم قد تخلوا عن الحلم الاشتراكي كما يظهر في كتابات ماركس ولينين ..

صحيح أن كل مكونات الجبهة تقول اليوم بأنها ضد السياسات الليبرالية والعولمة المفروضة وتجد في صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي ومقترح الاليكا عناصر التعبئة الكلامية ولكن السؤال الذي تطرحه الديمقراطية هو التالي : ماذا ستفعلون لو فزتم في انتخابات 2019 ؟ هل ستعلنون خروج تونس من منظومة صندوق النقد الدولي ؟ هل ستزيدون بصفة هامة في اجور العمال والموظفين ؟ كيف ستتفاوضون مع الاتحاد الأوروبي ؟ هل ستشجعون المؤسسات الخاصة على النمو بتحفيزها عبر الوسائل الجبائية وغير الجبائية أم ستفرضون عليها – وخاصة الشركات الكبرى نسبيا - ضرائب إضافية ؟

بعبارة بسيطة : كيف ستديرون الدولة ودواليب الإنتاج بصفة يومية ؟ وما هي الإصلاحات العملية التي تتعهدون بها خلال خماسية حكمكم ؟
ثم لو فازت الجبهة الشعبية في الانتخابات القادمة فهي لن تحصل على الأغلبية المطلقة وستكون مضطرة لعقد تحالفات فمع من ستتحالف الجبهة الشعبية ؟ وماهي ملامح البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الأدنى للحكم؟

كل هذه الأسئلة لا تستوجب فقط إجابات دقيقة بل نظرة أخرى للمجتمع واستنباطا جديدا لجدلية المساواة / العدالة والواضح اليوم أن كل مكونات الجبهة الشعبية لا تملك هذه الأجوبة ولا الأرضية الفكرية الملائمة لتؤسس عليها مشروعا لتونس قادرا على الحكم اليوم لا بعد خمسين سنة .
يبدو أن بعض مكونات الجبهة الشعبية تستهويها تجربة « فرنسا الأبية» لزعيمها جان لوك ميلنشون أي تكوين حزب راديكالي معاد للسياسات الليبرالية ،ولكنه يضعها ضمن أفق اقتصاد السوق وهذا تصمت عنه الجبهة ، وقادر على تاطير كل حركات الغضب في المجتمع الفرنسي وكاد أن يصل إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية في فرنسا في 2017.. أي في المحصلة حزب معارض قوي ..

والسؤال هل هذا هو فعلا ما تريده الجبهة الشعبية ؟
أي أن تقبع في المعارضة إلى الأبد في انتظار الظرف المناسب و«العصفور النادر» الذي يسمح لها بالفوز في الانتخابات ؟ أي في الحالة التونسية أن تقنع الجبهة الشعبية بنسبة محدودة من الأصوات (دون%10) تسمح لها بايجاد كتلة نيابية بفضل قانون انتخابي سخي وان يبقى صوتها عاليا داخل البرلمان وخارجه فقط لا غير ؟
أم تريد الجبهة الشعبية أن تصبح حزبا كبيرا أي حزبا لا يسعى لدغدغة مشاعر مناضليه بل جلب تعاطف واسع لدى الناخبين ؟ وهذا لن يصبح ممكنا إلا متى حصلت تحولات نوعية في الفكر والبرامج والخطاب السياسي ..

هذا هو في اعتقادنا جوهر الأزمة داخل الجبهة الشعبية حتى لو لم يتم التعبير عنها بمثل هذا الوضوح ، وهذه أزمة لم تسلم منها كل الحركات الإيديولوجية عندما احتكت بالواقع في مناخ ديمقراطي .. فالاستبداد يساهم في طمأنة الحركات الإيديولوجية ويثبتها على مواقعها أما الديمقراطية وإمكانية ممارسة السلطة والخروج من الاحتجاج الدائم إلى الفعل الممكن فيخلق توترات وشكوكا وارتيابا واحيانا تخوينا داخليا بين «الثوار الحقيقيين» وأولئك الذين يريدون مهادنة «المنظومة» او حتى التحالف معها ..

ما يحدث داخل الجبهة الشعبية مهم للغاية شرط الا يختصر الخلاف حول المترشحين للرئاسية او للتشريعية وحول الديمقراطية الداخلية فقط.
لو تسمح لنا أزمة الجبهة الشعبية بنقاش فكري عميق حول مفاهيم المساواة والعدالة والتضامن والحرية وترجمة كل هذا في منظومات الاقتصاد والمجتمع دون قوالب جاهزة موروثة مند عقود طويلة ..لو سمحت لنا أزمة الجبهة الشعبية بهذا أو حتى بجزء منه نكون قد سارعنا إلى توفير الشروط الفكرية لبناء أفق تقدمي جديد لتونس ، أما لو غلب الذاتي على الفكري فستفقد تونس فرصة جديدة للانعتاق

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499