عيد الشغل: عيد ، بأية حال عدت يا عيد ؟ !

تحتفل اليوم تونس وسائر بلاد الدنيا بالعيد العالمي للشغل .. نحتفل به هذه السنة وفي القلب لوعة للمصاب الجلل الذي ذهب

ضحيته 12 عاملة وعاملا في القطاع الفلاحي لأن ظروف النقل ، وهي من أهم عناصر الحياة الشغلية لا تمت للشروط الدنيا للآدمية وللسلامة بصلة ..

نظريا عيد الشغل هو عيد حقوق الشغالين الذين انتزعوها على امتداد قرن ونصف من الزمن أي منذ انتشار أصناف الشغل الحديثة في المصانع والمؤسسات الاقتصادية والإدارات وما رافقها من تطورات جذرية بفعل موجات الثورة الصناعية وآخرها الرقمنة وكل التكنولوجيات المرتبطة ببدايات الاعتماد المتفاقم في العالم على الأشكال الأولى للذكاء الاصطناعي ..

كان هنالك اعتقاد راسخ بأن المكننة التي أدخلتها الثورة الصناعية ستبدأ بإخراج جحافل الشغالين من المهن الشاقة وأن الإنسانية ستدخل عالم الشغل الذكي والمريح مع الروبتة (la robotisation) إذ ستعود الأعمال الشاقة إلى الآلة ولكن وضع العالم اليوم ليس بهذه الوردية وخاصة في مناطق التخوم للتحولات الصناعية والتكنولوجية والعلمية الكبرى إذ نجد تعايش كل أصناف الشغل من الأكثر يدوية ومشقة وبدائية إلى الأكثر تعقيدا وإبداعا وقيمة اعتبارية ومادية ..

لاشك أن الثورات الصناعية ، حتى عند الدول الأقل امتلاكا لناصيتها، قد أخرجت مئات الملايين من البشر من حالة الفاقة ولكن حلم الإنسان المسيطر على الطبيعة والمتحرر من ضغوطها وقيودها والمتحرر بالعمل عليها لم يتحقق لأغلبية الناس لا في الدول الصناعية ولا في غيرها بطبيعة الحال ، ذلك أن التطور العلمي والتكنولوجي وما تبعهما من رفاهية لم يتوزع بالقسطاس لا بين الدول ولا داخل كل دولة على حدة ..

هذا التوصيف العام لم يمنع دولا من الاستفادة أكثر من غيرها وعرفت كيف ترفع من نسق نموها وكيف ترتقي أكثر من غيرها في سلم القيم ، وكل هذه الدول راهنت بصفة إستراتيجية على التعليم والتكوين واعتبرت أن التفوق المدرسي هو أفق متاح للغالبية العظمى من بناتها وأبنائها .. وبفضل هذا التفوق ارتقت هذه الدول (بدءا باليابان ثم كوريا الجنوبية فسنغفورة الآن ومناطق أساسية في الصين الشعبية واليوم الفيتنام ) في سلم القيمة أي في مهن اليوم والغد لمواطنيها وتمكنت تبعا لذلك من تقليص متصاعد للفقر ولسوء التكوين العلمي والمهني ومن فتح الأبواب على مصراعيها لكل مهن القيمة المضافة المرتفعة ..

ما بين المراهنة على التفوق المدرسي والارتقاء في سلم القيم الاقتصادي لابد من عقدين من الزمن على الأقل ولكن هذا لا يكفي لوحده لخلق شروط العمل اللائق لأن هذا يقتضي أيضا اختيارات مجتمعية تعتبر أن توفير شروط العمل اللائق مسالة جوهرية في كل مجتمع ..

توفير شروط العمل اللائق لا ينبغي أن يترك فقط للعلاقات المباشرة بين الأجير والمؤجر ولا ينبغي أن نعتقد أن توفير شروط العمل اللائق من شانه أن يثقل كاهل المؤسسة الاقتصادية ويقلص من إنتاجيتها ..

كل التجارب الدولية وحتى الوطنية تثبت أن العمل اللائق يسهم بشكل قوي في إنتاجية المؤسسة والعمل اللائق كذلك لا يعني العمل الأبدي أو التغاضي عن المرونة الضرورية داخل المؤسسة الاقتصادية فالمطلوب في الاقتصاد العصري هو حماية الأشخاص لا حماية مواطن الشغل بعينها ..

الإشكال في بلادنا أننا لم نفكر بصفة إجمالية في شروط وظروف العمل اللائق بالنسبة لكل العاملين في الصناعة والخدمات والفلاحة وما هو العقد الاجتماعي الذي يؤمن كل هذه الحقوق ويجعل منها رافعة من رافعات الرقي الاقتصادي ..

البلاد مقبلة على انتخابات عامة وهي مدعوة أيضا إلى القيام بإصلاحات جوهرية في كل القطاعات وما نرجوه أن يتمحور جزء من النقاش العام حول هذه القضايا الأساسية ..

شروط الشغل اللائق أهم من كل المهاترات وصراع الزعامات .. فهل من مجيب ؟ !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا