قصد الحدّ من نسبة التضخم والنزول بها تحت %7: البنك المركزي يرفع بمائة نقطة قاعدية نسبة الفائدة الرئيسية لتصبح %7.75

• االإجراءات الرئيسية المصاحبة والتأثيرات المحتملة على الاستهلاك والاستثمار


قرر مجلس إدارة البنك المركزي يوم أمس الترفيع في نسبة الفائدة الرئيسية بمائة نقطة قاعدية لتنتقل من %6.75 إلى %7.75 مع ارتفاع متوقع وشبه آلي في نسبة الفائدة في السوق النقدية لتصبح في حدود %8.25 على الأرجح ..

يبدو أن الدافع الرئيسي لهذا الترفيع الثالث منذ قدوم السيد مروان العباسي محافظ البنك المركزي كان التوقي من ارتفاع متوقع لنسبة التضخم..

قد يفاجأ التونسيون بهذا القرار خاصة وان نسبة التضخم قد بدأت في التراجع من %7.5 إلى %7.1 في جانفي 2019 ، ولكن يؤكد خبراء البنك المركزي بأن هذا التراجع ظاهري ويعود فقط إلى تغيير سنة الأساس (2015 بدلا من 2010) وان نسبة %7 هي نسبة مرتفعة ولابد من العمل على الحد منها خاصة وأن كل المعطيات الحالية للاقتصاد التونسي تفيد بأن الضغوط التضخمية ستبقى مرتفعة على امتداد هذه السنة..

أول هذه الضغوط وأهمها العجز التاريخي للميزان التجاري والذي نتج عنه أن تجاوز العجز الجاري في ميزان الدفوعات الخارجية الرقمين (%11.2) ونجم عنه استمرار تراجع صرف الدينار بالنسبة لأهم العملات الأجنبية إذ سجلت عملتنا الوطنية خلال السنة الفارطة تراجعا بـ%12.9 بالنسبة لليورو و8.6 % بالنسبة للدولار..

ولكن مخاوف البنك المركزي لا تقف عند هذا الحد بل هنالك تخوف أيضا من التضخم الناجم عن الزيادات الأخيرة في الأجور في القطاعين العام والخاص ، زيادات لن يستفيد منها المنتوج التونسي بالأساس لان نمو آلتنا الإنتاجية هش بل بالأساس المنتوج المورد بما سيضفي ضغوطا إضافية على عجز الميزان التجاري وعلى التضخم المستورد..

يضاف الى ما قلناه مخاوف البنك المركزي من التضخم الأساسي الذي بقي في حدود %8 تقريبا وهو تضخم يضغط بدوره على النسبة العامة للتضخم في اتجاه الصعود. هذا في ما يتعلق بالمعطيات الكلية الكبرى للاقتصاد الوطني والتي لا يملك حيالها البنك المركزي سوى أن تكون نسبة الفائدة الرئيسية أرفع من نسبة التضخم وهذا يحصل لأول مرة منذ سنين، حتى يتم الضغط على الاستهلاك وبالتالي نبدأ في التحكم في التضخم قبل أن تفضي سياسة نقدية وتجارية وصناعية متناسقة إلى التخفيض من كل رافعات التضخم..

لا يخفي المطلعون على سير المنظومة البنكية مخاوفهم أيضا من بعض التسيب في حوكمتها التي تراكمت خلال كل هذه السنوات الأخيرة بما يجعل بعضها يمنح فوائد خيالية للإيداعات لا تنسجم مطلقا مع مقتضيات سوق مالية عقلانية، كما أن اللجوء المبالغ فيه لإعادة التمويل من قبل البنك المركزي بإمكانه، لو استمر، أن يضيف إلى التضخم بعدا ماليا كذلك وهذا ما يعمل البنك المركزي على الحد منه دون إحداث أزمة في المنظومة..

ولكن رغم كل وجاهة الحجج التي تقدم في هذا السياق لا يمكن أن لا نرى الانعكاسات السلبية لهذا الترفيع الجديد على مستوى القروض الاستهلاكية للعائلة التونسية وكذلك على تمويل المؤسسة الاقتصادية ..

صحيح أن قانون المالية لسنة 2019 قد استبق مثل هذا الترفيع في النسبة الرئيسية وجعل آلية تسمح بألا تنعكس هذه الزيادة على سداد قروض السكن ولكن فيما عدا ذلك لا وجود لقرار حمائي وهذا مقصود بغاية كبح جماح الاستهلاك وبالتالي التقليص من الطلب ما دام العرض المحلي غير كاف إلى حد الآن.
ولكن الصعوبة الأساسية هي بكل تأكيد للمؤسسة الاقتصادية والتي ستجد كلفة اقتراضها ترتفع للمرة الثالثة في أقل من سنة وهذا ما يفترض التفكير الجدي في تنفيل لنسب الفائدة خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة ..

ولكن الأساسي في مقاومة عناصر التضخم من عجز ميزان تجاري وعجز ميزان الدفوعات الخارجية يبقى خارج دائرة البنك المركزي ويتعلق بالسياسة الصناعية والتجارية للدولة وسياسة مواردها الطبيعية وفي كل هذه المجالات هنالك خلل هيكلي نجمت عنه هذه الانخرامات الكبرى والتي جعلتنا نعالج الداء بالداء وبوصفات لاشك أنها ضرورية ولكنها كالعلقم بالنسبة لعموم المستهلكين والفاعلين الاقتصاديين..

إننا نجني اليوم ما حصدناه خلال كامل هذه العشرية : تراجع في الإنتاج وضعف في الانتاجية وسعي محموم لتقاسم ثروة لم ننتجها بعد..

عسى ان تكون هذه الزيادة الإضافية كصعقة كهربائية تضعنا أمام حقيقة تدهور أوضاعنا ..

لا تكسروا المحرار فليس هو سبب المرض ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499