حزب جديد..

وأخيرا تم الإعلان عن هذا المشروع السياسي الجديد الذي كثر الجدل والحديث حوله خلال هذه الأشهر الأخيرة ..

المشروع السياسي لرئيس الحكومة يوسف الشاهد تحول إلى حزب ، والحزب يحمل اسم «تحيا تونس» والشخص الأول فيه، إلى حد الآن، هو سليم العزابي، المدير السابق للديوان الرئاسي .

لقد أسال هذا الحزب حبرا كثيرا حتى قبل بعثه وخاصة في ما يتعلق بتوظيف الدولة لفائدته وثانيا في هذه التسمية غير الموفقة لأنها تحرم جموع التونسيين من الاستعمال البريء والوطني لشعار «تحيا تونس» ولأن مرجعية التسمية تذكرنا بتجارب لا تنتمي كثيرا للقاموس الديمقراطي كما حصل ذلك مع برلسكوني في ايطاليا وبوتين في روسيا والسيسي في مصر ..
ولكن إذ اما وضعنا بين قوسين وبصفة مؤقتة المسائل الأخلاقية المتمحورة حول سؤال مشروعية إقدام رئيس الحكومة على بعث حزب سياسي جديد وبقائه رغم ذلك في السلطة وكذلك الاختيار غير الموفق للتسمية فنحن أمام حدث سياسي هام في حد ذاته لابد من فهم معانيه وتداعياته .
لا ينبغي أن يذهب في ظننا بأن الأحزاب تتأسس فقط وفق رغبة باعثيها ومؤسسيها ولا أن التونسيين الذين التحقوا بحزب يوسف الشاهد إنما فعلوا ذلك فقط لأنه رئيس حكومة ..

هنالك كيمياء خاصة في تشكيل الأحزاب وهنالك تناسق ما بين الحزب كعرض سياسي وانتخابي جديد وبين طلب ضامر من المجتمع ، والحزب الذي يخطئ هذا الطلب مكتوب عليه بالاندثار العاجل أو الآجل.
فنداء تونس ، على سبيل المثال ، لم ينشأ فقط لأن الباجي قائد السبسي ومن معه قد رغبوا في ذلك ولم ينشأ كذلك لأن التجمعيين أرادوا أن يتوحدوا تحت يافطة جديدة..

نشأ نداء تونس وولد كبيرا وانتصر في انتخابات 2014 لأنه استجاب لمطلب اكبر وأعمق من هذا وهو الدفاع عما يمكن أن نسميه بالهوية التونسية ضد استهدافها من قبل الاسلاموية غير المعقدة في حكم الترويكا..
فلو لم يوجد شعور الخوف هذا من المساس بجوهر نموذج حياة التونسيين لما تمكن نداء تونس من اكتساح الساحة السياسية كما حدث ذلك في السنوات الأولى لنشأة هذا الحزب. ما نريد قوله من خلال هذا المثال هو أن نشأة الأحزاب واستجابتها لجزء من تطلعات الرأي العام لا تعود لرغبة بعض الأشخاص أو لتدفق المال السياسي فهذه وغيرها قد تكون عناصر متممة

ولكنها لا تعوض بالمرة تلك الاستجابة لحاجة عميقة عند جزء من الناخبين .. والدليل على ذلك أننا وجدنا في بلادنا أشخاصا أنفقوا أموالا ضخمة لتأسيس أحزاب لم تتمكن من الترسخ رغم حصولها على بعض النواب ثم سرعان ما اندثرت أو هي في طريقها للاندثار..

عندما نعود إلى هذا الحزب الجديد الناشئ في جله من رحم النداء ومن أحزاب قريبة منه والذي يريد أن يولد كبيرا هو كذلك فمستقبله لا يتوقف على رغبة باعثيه بل على مدى استجابته لحاجة ما عند جزء من الناخبين والواضح أن هذا الطلب السياسي الأساسي إنما يتعلق بخوف جزء من القاعدة الانتخابية الندائية على انهيار هذا الحزب الذي مثلهم في 2014 والذي دخل في سلسلة من الأزمات اللامتناهية ولكن لعل الخشية الأكبر تكمن في مصير النداء بعد مغادرة الرئيس المؤسس للحياة السياسية وعدم اقتناع هذا الجزء من القاعدة الندائية بأن القيادة الحالية للنداء عاجزة عن ضمان استمرارية الحزب لاسيما بعد خضوعها خلال هذه السنوات الأخيرة لمحاولة «التوريث الديمقراطي» .

بهذا المعنى لا فرق مطلقا بين فكرة إنشاء «مشروع تونس» التي أطلقها محسن مرزوق ورفاقه وفكرة «تحيا تونس» بل ونجد في كلتي التجربتين وجود كتلة برلمانية مهمة ولكن الفرق الوحيد هو في وجود زعامة ،يوسف الشاهد التي بإمكانها تجميع شتات الندائيين وغيرهم والبقاء لمدة سياسية أطول على الأقل على المستوى النظري..
وزعامة يوسف الشاهد لم تأت بالأساس من الخصال الشخصية للرجل بل من الوضعية التاريخية التي وجد فيها ومن بعض الزخم الذي جمعه خاصة في 2017 عندما أطلق حملته الشهيرة «مكافحة الفساد»..
ولكن المهم اليوم ليس تحقيق انتصار في معركة الشقوق الندائية حتى لو كان بالضربة القاضية ، المهم اليوم هو ما سيقدمه هذا الحزب للتونسيين خاصة وأن يوسف الشاهد في السلطة منذ سنتين ونصف السنة..
ماذا بإمكان يوسف الشاهد وحزبه الجديد ان يقدما للتونسيين ما لم يتمكنوا من تقديمه إلى الآن ؟

الجواب واضح عند جماعة «تحيا تونس» وهو غياب الإسناد السياسي للحكومة ولكن غياب السند لم يعد حجة اليوم ما دام هنالك كتلة مهمة تساند الحكومة.

المهم اليوم هو هل يملك هذا الحزب مشروعا لتونس أم لا ؟ وما هو هذا المشروع بالضبط على مستوى الاختيارات الكبرى المجتمعية والاقتصادية والمؤسساتية ؟

الأساسي اليوم بالنسبة لعموم التونسيين أن تتنافس كل الأحزاب والمشاريع على قدم المساواة وان يتم تحييد كامل وكلي للدولة لا فقط بأجهزتها بل وأساسا برمزيتها فالسياسة لا تتقاطع دوما مع الأخلاق، ولكن سياسة بلا أخلاق لا تجلب نفعا لأحد..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية