أين حظّ الأطفال: في مشاريعنا وسياساتنا واهتماماتنا ؟

في غمرة الاستعداد للاحتفال بالسنة الميـلادية وتبــادل التهاني بين الراشدين الغاضبين والمتذمّرين من سوء الأحوال...

لا بأس أن نغيّر اتجاه البوصلة صوب المنسيّين: فنتأمّل في أوضاع أولئك الأطفال الذين تعرّضوا خلال هذه السنة للخطف أو الاغتصاب إن كانوا من الذكور والإناث، وننكبّ على رصد حياة المشرّدين الذين يجوبون الطرقات يتسوّلون تارة، ويعرضون خدماتهم طورا آخر، ولا عيب في أن نتوقّف لحظة لنحاور «صغار البرباشة» الذين يفتشون في سلّات القمامة، ولا مفرّ من متابعة الأطفال المحرومين من حقّ العلاج أو أصحاب الاحتياجات الخاصة، ولا مناص لنا أيضا من متابعة أحوال المحرومات من الدراسة كالخادمات القاصرات في بيوت المتعلّمات والناشطات الحقوقيات والنساء الناهضات بأدوار مهمّة في مواقع صنع القرار.
ليس وضع الطفولة في تونس اليوم أمرا معهودا لوزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السنّ فحسب، وإن كانت هي الجهة المعنيّة بالدرجة الأولى بحماية الأطفال ووضع الاستراتيجيات التي تضمن لهم حقوقهم الأساسية وأوّلها الحقّ في الحياة، والصحة، والتعليم والكرامة وغيرها، ولكننّا نقدّر أنّ كلّ الوزارات تتحمّل مسؤولية تردّي أوضاع الطفولة في بلادنا، وكلّ مكونات المجتمع المدنيّ معنيّة بالتفكير في الحلول وطرح البدائل.

ولأنّنا نعيش في مجتمع يصفه الساسة بأنّه مسلم بنسبة 90 ٪ تتجاور فيه الأحزاب ذات المرجعية الدينية، وجمعيّات المحافظة على القرآن والسنّة، والجمعيات الخيرية ... مع الأحزاب الحداثية ذات المرجعية الحقوقية، والجمعيّات المواطنية وغيرها فإنّ التساؤل عن موقع الطفل/ة في برامج مختلف مكوّنات المجتمع المدنيّ وأنشطته المختلفة مشروع. فهل أنّ التفكير في الطفل المهمّش حاضر في أذهان القوم، وهم يطرحون المشاريع المواطنية والإصلاحية والثقافية والمعمارية و...؟ وهل للطفل حضور في الخطب المسجدية باعتباره كائنا ممتعا بالحقوق؟ وهل ثمّة ما يوحي بتفعيل مختلف مكونات المجتمع المدنيّ لآلية المساءلة والمحاسبة، والحال أنّ الناشطين يعاينون الانتهاكات في الفضاءات التي كنّا نعتبرها آمنة كالمؤسسات التربوية والتعليمية أو بعيدة عن ‘ الفعل المدنّس’ كالمساجد؟ وهل لنا دراسات ميدانية عن أشكال هشاشة الأطفال، وهم عرضة للاستغلال والاستقطاب؟ وهل نملك إحصائيات عن عدد الأطفال الذين اغتصبوا خلال هذه السنة؟ ولنا أن نتساءل أيضا لِم لم تستأثر البحوث الاستقصائية كتقرير inkyfada عن الخادمات القاصرات باهتمام الجماهير، والحال أنّ تصريح أحد الفنانين أو الرياضيين «يهزّ الدنيا ويقعدها»؟ أضاقت البلاد عن أهلها فصارت منشغلة بعالم الكبار : الساسة، القادة، النجوم..؟

وفي ظلّ هذه الأوقات العسيرة تنتابنا الحيرة:أنّى لنا أن نقنع أمّا تدفع بابنتها إلى العمل في بيوت «الأكابر» وتحرمها من الاستمتاع بطفولتها وفرص التعليم بأنّ هذا القرار مجرّم بالدستور والقانون وما التزمت به الدولة حين أبرمت على الاتفاقيات والمعاهدات الضامنة لحقوق الأطفال؟ وأنّى لنا أن نثني صبيّا عن التفتيش في أكياس القمامة وأن ندعوه إلى اللعب والترفيه عن النفس؟ وأنّى لنا بأن نقنع أمّا بأنّ سفاح القربى لا يمكن السكوت عنه؟

تثبت تجارب البلدان التي خاضت مسار الانتقال الديمقراطي أو تحوّلت إلى بلدان نزاع وبؤر توتّر أو صارت فضاء حربيّا أنّه كلّما اشتدّت الأزمات صار التفكير في مستقبل الفئات الهشّة ضروريّا ومن الأولويات. فهل تجاوزنا الخطابات السياسية الرسميّة والخطابات الحقوقية والقانونية، والتربوية والدينيّة (بدرجة أقلّ) لنبتكر حلولا عمليّة وسياسات ذات نجاعة فعليّة أم أنّنا مازلنا نفكّر وفق آليات فهم تقليدية ونتوهّم أنّ الأسرة مازالت تمثّل الحصن الحصين وفضاء للأمان والتواصل والحوار، وهي أنموذج لم يصبه العطب؟

إنّ هذه الفئة المنسية من الأطفال والمراهقين معرّضة في كلّ يوم لمخاطر الاستقطاب من الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب، والمخدرات ، والاتجار بالبشر، وغيرها ، ومن هذه الفئة عدد لا يستهان به صار يساق سوقا إلى قوارب الموت بعد أن قرّر الأب أو الأمّ «الحرقة»... إنّ أطفالنا في خطر فلتكن سنة 2019 سنة الانكباب على موضوع الطفولة.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا