اليوم افتتاح المؤتمر الثالث والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل: رهانات الأدوار الوطنية القادمة

المؤتمر العادي الثالث والعشرون للاتحاد العام التونسي للشغل الذي تفتتح أشغاله هذا اليوم 22جانفي بالعاصمة لن يكون عاديا بكلّ المقاييس ..

لاشك أن الجزء الأكبر من اهتمام كل المؤتمرين سيكون - كما هو الحال في كل مؤتمر انتخابي – حول القائمات المتنافسة وحول تنقيح القانون الأساسي للمنظمة الشغيلة..ولكن الرهانات الوطنية الكبرى سوف تكون حاضرة بقوة ويتمحور جلها حول سؤال مصيري : أي دور لهذه المنظمة العريقة التي أسسها فرحات حشاد اليوم وغدا خاصة وأنّ كل شيء فيها وحولها قد تغيّر رغم استمرار روح الثوابت الوطنية والنقابية على امتداد أكثر من سبعة عقود؟..

 

لن نعود إلى تاريخ الاتحاد فقد ألفت فيه كتب ودراسات كثيرة ولا كذلك إلى دوره المحدد إبان الحراك الثوري وخلال أزمات حكم الترويكا وتهديد السلم الأهلية بفعل السياسات الخرقاء وتصاعد العنف والإرهاب ..دور شهد له به العالم بأسره وما منح الرباعي الراعي للحوار الوطني المتكون من اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ورابطة حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين جائزة نوبل للسلام إلا ترجمة لهذا العرفان الذي تجاوز الحدود الآنية والجغرافية لبلادنا ..

ولكن منظمة عريقة كاتحاد الشغل لا يمكنها فقط أن تعيش على أمجادها..كما أن مكاسبها الكبيرة لا ينبغي أن تخفي بدورها بعض أخطاء الأداء وانزلاقات هنا وهناك..

ثم أن التحديات المطروحة على تونس اليوم هي من طينة مختلفة تماما عن التحديات السابقة.. والنقابيون مدعوون اليوم وغدا إلى أن يقفوا على طبيعة هذه التحديات الجديدة وان يعدلوا وفقها الأدوار الوطنية المطالبين بها على المديين القريب والمتوسط..
ما نأمله جميعا ألا تحتاج تونس من جديد لدور شبيه بذاك الذي قام به الرباعي الراعي لان ذلك يعني بان الوطن في خطر وان خيارنا الديمقراطي مهدد في عمقه..

يبدو أن بلادنا قد تجاوزت بصفة جدية هذا الصنف من المخاطر ولكننا نراها مهددة بمخاطر من صنف جديد / قديم وهي النمو الهش للاقتصاد والذي لا يسمح له –على الأقل في المدى المنظور- من خلق ما يكفي من مواطن شغل لائقة ومن تقليص جدي للبطالة..
ولكن التحدي الأكبر لتونس يبقى عجز كل السياسات العمومية لحدّ الآن عن مقاومة التهميش الحاد الذي يعاني منه حوالي ثلث التونسيين والذي يهدد بدوره ثلثا آخر وإن بأشكال أقل حدّة...
هذا دون أن نتحدث عن الأخطار التي تهدد آلتنا الإنتاجية بشكل خطير ونقصد تحديدا الفساد بمختلف مستوياته والاقتصاد الموازي وما يرتبط به من شبكات تهريب وأحيانا جريمة منظمة..

لاشك أن المنظمة النقابية معنية بالأساس بالدفاع عن منظوريها من أجراء القطاعين العام والخاص ولكن الدور الوطني الطبيعي لاتحاد الشغل يجعله معنيا قبل غيره بهذه التحديات الجسام ولا يمكن أن نتصور عملا نقابيا الآن وغدا بمعزل عن كل هذه المعطيات
التحدي الأكبر والأخطر المطروح اليوم على النقابيين هو في إيجاد التوازن الضروري بين مقاومة التهميش (والبطالة والعمل الهش جوهره) وبين الدفاع عن شروط العمل اللائق في القطاعين العام والخاص على حدّ سواء..

عادة ما تضغط الأزمة الاقتصادية على عالم الشغل بحجة أن كثرة الحماية (حماية حقوق الشغالين) منافية للتشغيل ذاته إذ يستنكف من ذلك أرباب العمل خوفا أولا من الكلفة الباهظة لموطن الشغل الواحد وثانيا لصعوبة تعديل حجم مواطن الشغل سلبا وإيجابا حسب النشاط الاقتصادي للمؤسسة واتساع أو ضيق أسواقها الداخلية والخارجية..

وبالتالي يضغط أرباب العمل من اجل مرونة أكثر في قانون الشغل باعتبار هذه المرونة هي التي ستسمح بإنعاش الاقتصاد المعتلّ وبالتالي الحفاظ على مواطن الشغل أولا وخلق مواطن شغل جديدة ثانيا..
هذا الضغط على شروط التشغيل والتسريح ليس خاصا ببلادنا بل لا تكاد تنجو منه بلاد واحدة. بما في ذلك كبريات الدول الصناعية..

والمعادلة هنا صعبة للغاية وعادة ما تجد النقابات نفسها بين المطرقة والسندان..فان هي تمسكت بالمكاسب القانونية والترتيبية للأجراء دون استعداد لأي تنازل فقد تجد نفسها في صفّ من لا يعير اهتماما كبيرا لمن هم خارج الدورة الاقتصادية أصلا..
وأحيانا قد يدفع التصلب في الموقف إلى تهديد مواطن الشغل خاصة في القطاع الخاص..

أما إن أبدت النقابات تفهما للوضعية الصعبة للبلاد أو المؤسسة و أقدمت على بعض التنازلات فهناك احتمال قوي لكي تصبح تنازلات الأجراء «مكاسب» جديدة لأرباب العمل وحتى عندما ينتعش الاقتصاد تصبح العودة إلى «مكاسب» الأجراء القديمة عملية شبه مستحيلة وهذا ما نلاحظه في بلادنا مثلا إذ أصبحت عقود العمل المؤقتة والهشة وبمقتضى منح المؤسسة أربع سنوات من الاختبار قبل الانتداب المباشر والذي تمّ تمريره منذ أكثر من عقدين..أصبحت هذه الوضعية هي القاعدة ولم تعد المؤسسات الكبرى تنتدب إلاّ وفق هذا المنوال الهش..

وهكذا أصبح التشغيل الهش في بداية الحياة المهنية ولمدة أربع سنوات كاملة هو القاعدة لا استثناء يمنح لبعض المؤسسات التي تشكو من صعوبات ظرفية ..
معضلة المرونة الآمنة (flexisécurité) ستكون جوهر التفاوض بين طرفي الانتاج في تونس خلال السنوات القادمة...

الملف الثاني الحارق هو ملف السياسة الاجتماعية للدولة بدءا من منظومة التقاعد وصولا إلى المؤسسات العمومية الخدماتية ومرورا بمنظومة دعم المواد الأساسية وبكل السياسات الاجتماعية في القطاع العام (تربية ..صحة ..نقل)
كيف نتمكن من الحفاظ على منظومات للتضامن الاجتماعي قادرة على الحياة ودون أن نرهق كاهل دافعا الضرائب أو دفع الدولة إلى الاقتراض الخارجي؟

وللمنظمة الشغيلة دور محوري في كل هذه المفاوضات التي ستفتح بعيد هذا المؤتمر والحلول ليست سهلة وعلى الاتحاد أن يحسن المزاوجة بين الجواب على اكراهات الواقع (الصناديق الاجتماعية في عجز هيكلي مفزع يتجاوز السنة الحالية لوحدها ملياري دينار أي حوالي 2 %من الناتج الإجمالي الخام) دون أن تضحى البلاد بالحد الأدنى المقبول من التضامن مع المتقاعدين ولا كذلك الفئات الضعيفة المحتاجة لإسناد اجتماعي أفضل بكثير مما تتمتع به الآن..

فضلنا اليوم الحديث عن الملفات الوطنية الكبرى ولكن هذا لا يمنع من توجيه تحية إكبار لرجل اختار أن يحترم النظام الداخلي للمنظمة وان ينسحب من قيادتها وهو في أوج العطاء..
سيحتفظ تاريخ تونس باسم حسين العباسي وبالدور الذي لعبه كشخص وكمنظمة لتجنيب البلاد القفز نحو المجهول ولتأمين تجربة الانتقال الديمقراطي المدني..

هنالك أفذاذ في التاريخ يصنعون الأحداث وهنالك أحداث تصنع بدورها الأفذاذ.. وسواء كنا في الوضعية الأولى أو الثانية فلقد وجدت تونس بأسرها في شخص حسين العباسي الرجل الذي كانت تنتظره وتستوجبه في فترة جدّ دقيقة وعصيبة في تأسيس وتامين ديمقراطيتها الناشئة..

واختيار العباسي الانضباط لقوانين الاتحاد ولإعطاء المشعل لقيادة جديدة درس ينبغي أن تقف عنده جل قياداتنا السياسية التي تعتقد أن مصير البلاد ومستقبلها يتوقف على دور افتراضي يمكن أن تلعبه ..

ولكن الاتحاد منظمة كبيرة وما كل مسؤوليها في الجهات والقطاعات بنفس هذا المستوى .. فبعضهم اغتر بمظاهر قوة مزعومة وحول النضال النقابي إلى عملية تصفية حسابات شخصية وإلى إبراز قوة مزهوّة غير بناءة ولا بريئة في بعض الأحوال..
اتحاد حشاد والتليلي وعاشور والعباسي مدعو لوقف هذا الصنف من غواية القوة ونزواتها..

يخطئ في تونس من يعتقد بان الدور الوطني لاتحاد الشغل قد انتهى مع بداية التجربة الديمقراطية الوليدة في البلاد.. ولكن يخطئ أيضا من يعتقد انه بإمكانه الاعتماد على هذه القوة الكبيرة الجامعة للعب دور سياسي ما..
وبين كل هذه التحديات والمنزلقات والطموحات والآمال سينتخب النقابيون قيادة جديدة ..قيادة ستجد نفسها في قلب المعارك الوطنية الكبرى..قيادة سيكون نجاحها أو فشلها مرتبطا طردا بنجاح أو فشل تونس..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا