تونس والهرولة الجماعية للانتخابات الرئاسية....

من المفارقات السياسية الكبرى في تونس أنّ العهدة الانتخابية الحالية لم تنتصف بعد ورغم ذلك فالاستعداد لرئاسية 2019 على أشده ولعلّه انطلق مباشرة إثر فوز الباجي قائد السبسي بالولاية العليا منذ أكثر من سنتين..


ويبدو أنّ الإعداد لهذا الموعد الانتخابي الذي مازالت تفصلنا عنه حوالي الثلاث سنوات أصبح الشغل الشاغل للشخصيات السياسية الأبرز في البلاد وأن كل «المبادرات» أو «التحالفات» أو حتى التصريحات الحالية إنمّا هي لبنات لهذا الحلم الأكبر..فلكرسي قرطاج جاذبية في تونس لا تضاهيها جاذبية كل الكراسي الأخرى حتى وإن اجتمعت..

وما يفسر هذا الانطلاق المبكر للسباق الرئاسي تأكيد الباجي قائد السبسي أثناء الحملة الانتخابية لخريف 2014 بأنه في صورة فوزه ، لن يترشح لولاية ثانية، كما يسمح له بذلك الدستور.. وبما أن طالبي ودّ الرئاسة كثر فكان لابدّ من الاستعداد الجيّد لهذا الموعد المعلن شخصيا وحزبيا وشعبيا كذلك..

ولكن هذا الجمع الكريم قد يفاجأ بمعطى جديد من الحجم الثقيل..معطى يُهمس به هنا وهناك باعتباره مجرد فرضية نظرية لا غير..ترى لِمَ لا يتقدم الباجي قائد السبسي لولاية رئاسية ثانية ؟

لا نعتقد بأن رئيس الجمهورية هو الذي أسرّ به لبعض مقربيه أو أنه بصدد التفكير في هذه الإمكانية.. ولكن الواضح أن بعض الأوساط المقربة منه هي بصدد التسويق لهذا باعتبار أنه لا يوجد خليفة جدير بخلافة الباجي قائد السبسي على رأس الدولة وعلى رأس الأغلبية الحالية إلا الباجي قائد السبسي ذاته..

والحجج التي تدعم هذه الفرضية الجديدة كثيرة .. إذ لم يفرز الحزب الذي أسسه رئيس الجمهورية إلى اليوم شخصية قادرة على فرض نفسها حزبيا أولا ثم شعبيا ثانيا.. لاشك أن الحالمين بقصر قرطاج داخل نداء تونس وأحوازه عددهم كبير ولكن بداية قلوبهم شتى ولم ولن تتوحد على شخص واحد لا على ناجي جلول الوزير الأكثر شعبية ولا على نجل الرئيس والمدير التنفيذي الحالي للنداء ولا على معارضيه.. وحتى فرضية يوسف الشاهد رئيس الحكومة الحالي مازالت أسهمها ضعيفة.. بل ويعتبر بعضهم بأن العمر السياسي للباجي قائد السبسي قد يكون أطول بكثير من العمر السياسي ليوسف الشاهد الذي عليه أن يثبت بداية بأنه قادر على النجاح في القصبة - وهذا ليس مضمونا لحدّ الآن – قبل أن يفكر في الترشح للدرجة الأعلى..

إذن فترشح الباجي قائد السبسي لولاية ثانية قد يكون هو الحل الأفضل لأمراض... نداء تونس... وفي ذهنهم بين نداء تونس وتونس كلمة وحيدة يسهل تجاوزها يوم الانتخابات.

ولكن فرضية الترشح لولاية ثانية سوف تبقى مجرّد فرضية إلى أواسط سنة 2019 ولن يظفر بقية المراهنين على كرسي قرطاج بجواب يشفي غليلهم.. بل نراهن بأن رئيس الجمهورية سيستمتع بالاضطراب الذي ستحدثه فرضية ترشحه لولاية ثانية في صفوف كل الحالمين بخلافته..وأنه سينتظر آخر لحظة ليعلن بصفة قطعية وحاسمة موقفه النهائي..

هذا المعطى الجديد قد يبعثر بعض الأوراق ولكنه لن يغّير شيئا من استعداد كل المترشحين للترشح للانتخابات الرئاسية.. فجلهم، كما قلنا، قد شدوا رحالهم منذ سنتين على الأقل وحتى وإن صرحوا بأنهم غير مسكونين، حاليا بهذا الهاجس ولكن كل استراتيجياتهم الاتصالية والسياسية تقول عكس هذا تماما..

هنالك من السياسيين من يرى أنه بإمكانه لوحده، تقريبا، الفوز في الانتخابات الرئاسية وأنه ليس محتاجا لآلة حزبية ضخمة لهذا بل يكفي أن تكون له شبكة من المؤيدين وكذلك المانحين حتى ينجح في هذا المسعى.. وأن شعبية المعني بالأمر في المرحلة الأخيرة من السباق قد تقنع بعض الآلات الحزبية الكبيرة بتأييده دون أن يكون سجينا لأجندتها الخاصة..

ونموذج هؤلاء السياسيين اليوم هو بلا شك حمادي الجبالي رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام المتخلي لحركة النهضة..فحمادي الجبالي يعلن اليوم بوضوح أنه مترشح لرئاسية 2019 وأنه لن يؤسس حزبا بل سيكتفي بجمعية (روافد) ولكن حمادي الجبالي في وضعية مريحة إلى حد ما إذ في صورة فوزه في الانتخابات الرئاسية فبإمكانه التعويل على دعم حركة النهضة له في البرلمان..
بالنسبة لشخصيات أخرى بإمكانها أن تراهن على رصيدها الشخصي – كالمهدي جمعة رئيس الحكومة السابق – فإن دعم حزب كبير له غير مضمون لا قبل الانتخابات ولا بعدها..

وخاصة عندما نعلم أن الانتخابات التشريعية ،في الحالة العادية، ستكون سابقة للانتخابات الرئاسية وبالتالي فمن لا يضمن وجودا هاما داخل مجلس نواب الشعب لا يمكنه أن يفوز بعد أسابيع قليلة بالانتخابات الرئاسية..

لهذه الأسباب – ولغيرها- عمد المهدي جمعة بعد تفكير طويل إلى إنشاء حزب سياسي يخوض به غمار كل المناسبات ويهيئه من الآن لخوض المعركة الأمّ.. ولكن بالطبع ينبغي أن .....

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا